القاهرة/ الأناضول/ أسامة صفار - جاء فوز فيلم "حياة أديل" بالسعفة الذهبية لمهرجان "كان"، الذي اختتم فعاليات دورته الـ66 مساء أمس الأحد، ليثير حفيظة نقاد سينمائيين اتهموا المهرجان بـ"تسييس" الجائزة.
وتدور أحداث الفيلم الفرنسي حول علاقة شاذة بين فتاتين، مستعرضا تفاصيل العلاقة، متعاطفا معهما، وهو ما دفع نقاد إلى اتهام المهرجان باعتماد "معايير غير سينمائية" في منحه الجائزة التي يحلم بها كبار مخرجي العالم، خاصة في ظل إقرار قانون يسمح بزواج المثليين في فرنسا قبل عشرة أيام، وسط مظاهرات هائلة تعارضه، أحدثها خرجت اليوم بمشاركة عشرات الآلاف.
المفارقة المثيرة أن مخرج فيلم "حياة أديل" الفرنسي - التونسي، عبد اللطيف كشيش، سرعان ما أهدى جائزته إلى الثورة التونسية وشبابها، في الوقت الذي تشهد فيه بلاده حاليا صراعا من نوع آخر بين سلفيين وحزب حركة "النهضة" (إخوان مسلمين) الذي يقود الحكومة.
ويأتي الفوز المفاجئ للفيلم وسط منافسة حقيقية وحامية مع أفلام صنعها نخبة من أهم المخرجين في العالم، بينها فيلم أمريكي للأخوين إيثان وجويل كوين حمل عنوان "ليوين دايفز" ويدور حول رحلة المطرب الأمريكي ليوين دايفز المليئة بالآلام.
وكان المطرب، الذي أدى دور البطولة في الفيلم، وهو جون كودمان، قد توفي قبل عرض الفيلم لتشرق نجوميته بعد رحيله.
أيضا كان من بين الأفلام المتنافسة "الماضي" للمخرج الإيراني أصغر فرهادي، الحائز على جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي العام الماضي عن فيلمه "انفصال"، ويروي رحلة شاب إيراني من طهران إلى باريس لإنهاء إجراءات طلاقه من شابة فرنسية.
بدوره، قدم المخرج الفرنسي أرنو ديبلشان فيلم "جيمي ب"، ويحكي قصة جندي أصيب في الحرب العالمية الثانية ومعاناته اليومية جراء الإصابة.
أما المخرج الأمريكي ستيفن سوديربيرك فقدم فيلم "حياتي مع ليبرجي" من بطولة النجمين مايكل دوجلاس ومات دامون، وقدم سودير بيرك في الفيلم رحلة سينمائية مع عازف البيانو الشهير ليبرجي وحياته المليئة بالإبداع والبذخ والترف.
ولم تغب اليابان عن المنافسة على السفعة الذهبية بمهرجان "كان"، فقدمت فيلما بعنوان "هذا الابن لهذا الأب" للمخرج كوريدا هيروكازيو.
ويروي الفيلم قصة أب يبلغه المستشفى بأن الطفل الذي يعيش معه ليس ابنه، ومع مقابلته لابنه الحقيقي تبدأ رحلة الأب المأساوية.
وإذا كان عدد من النقاد قد تحمس لفيلم "كشيش" فإنه في المقابل أثار حنق آخرين لدرجة دفعت الناقد المصري المقيم في لندن أمير العمري إلى التشكيك في سماح الجهات الرقابية الأمريكية في عرض هذا الفيلم هناك.
وقال العامري إن هناك خيطا رفيعا يفصل بين تناول المشاعر الإنسانية بشكل "فني رفيع"، وأفلام "الإثارة" حتى إذا كان الفيلم يتناول العلاقات الجنسية الطبيعية أو المثلية.
واستطرد العامري قائلا: هناك فارق بين فيلم يستخدم الجنس كي يعبر عن المشاعر الإنسانية ويكثفها، وبين استخدامه من أجل صدم المشاهدين أو إثارتهم أو التباهي بالإقدام على ما لم يقدم عليه أحد سوى في أفلام "البورنو"، بل والتماهي مع أفلام "البورنو"، التي لا نعتبرها من الفن الرفيع أصلا.
وأضاف "هذا ما رفضناه ونرفضه في فيلم المخرج عبد اللطيف كشيش المسمى (حياة أديل)".
والتونسي القادم من الجنوب إلى أقصى الشمال في باريس هو زائر دائم لمهرجان "كان" حيث سبق أن تواجد في دورات سابقة، فشارك عام 2004 بفيلم "المراوغة"، وعام 2007 نافس بفيلم "كسكسي بالسمك"، بينما خاض السباق في 2010 بفيلم "فينوس سوداء"، إلا أنها جميعا بقيت ضمن الأفلام التي لم تسجل نفس النجاح الذي سجله فيلمه الأخير صاحب السعفة الذهبية.
وخضوع جوائز المهرجانات السينمائية لمعايير سياسية يعد من أبرز الأخطار التي تسبب رعبا لصناع المهرجانات في العالم، فالمهرجان يفقد مصداقيته وقيمته على الفور حتى لو كان بحجم "كان" فضلا عن حرمان المبدعين الحقيقيين من جوائزهم وهو ما يثير غضبهم بشدة.
ولعل جوائز أوسكار 2013 كانت نموذجا للتوازنات السياسية بامتياز حيث فازت أفلام "لينكولن" بطولة دانيال داي لويس وإخراج ستيفين سبيلبرج، و"اغتيال بن لادن بعد منتصف الليل" إخراج كاترين بيجلو، و"أرجو" لأسباب تتعلق بالقضايا التي طرحتها.
ويستعرض الفيلم الأول صراع الرئيس الأمريكي الراحل إبراهام لينكولن لتحرير العبيد، ويتناول الثاني قصة رصد بن لادن (زعيم تنظيم القاعدة) على مدى عشر سنوات ومن ثم اغتياله، ويحكي الأخير قصة تحرير المخابرات الأمريكية ست رهائن أمريكيين احتجزوا إبان الثورة الإيرانية عام 1979.
يذكر أن مهرجان "كان" احتفى بالربيع العربي في دورتيه الماضيتين بشكل خاص من خلال مشاركة أفلام مصرية مثل "18 يوم" لمجموعة من المخرجين المصريين عام 2011، ثم اشتراك فيلم "بعد الموقعة " للمخرج يسري نصر الله في المنافسة على السعفة الذهبية عام 2012 .
لكن هذه الدورة اكتفى المهرجان بفيلمي "عمر" للفلسطيني - الهولندي هاني أبو أسعد، والتونسي - الفرنسي عبد اللطيف كشيش، بالإضافة إلى مشاركة في سوق المهرجان للمخرج المصري أحمد عاطف بفيلمه الروائي "باب شرق"، ومواطنه سعد هنداوي بالتسجيلي "دعاء وعزيزة".