إفتكار البنداري
القاهرة- الأناضول
لا يساورك شك عند مرورك بميدان التحرير ومحيطه، في قلب القاهرة، صباح اليوم الثلاثاء، أنك تمر بساحة معركة، أطرافها غادروها للتو، مخلفين وراءهم آثارها الخانقة من غاز مسيل للدموع وأكوام حجارة تغطي الشوارع وأشجار مقتلعة من جذورها، وألسنة اللهب ما زالت تلتهم بعض ما وقعت عليه.
فبعد ليلة ملتهبة بين الشرطة ومحتجين، أسفرت عن مقتل شخص وإصابة العشرات، وحرق 3 مدرعات للشرطة، وسيارات خاصة، بدا محيط الميدان صباحا هادئا من ضجيج الاشتباكات، مخنوقا بمخلفاتها من الغاز المسيل للدموع والحجارة، وأشياء محترقة، ويبدو أن الإنجاز الوحيد الذي نجحت الشرطة أمس في تحقيقه هو فتح بعض مداخل الميدان أمام حركة المرور، بعد أن ظلت مغلقة منذ شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي.
والمارة في الميدان أو محيطه، الذاهبين إلى أعمالهم يكممون أنوفهم بمناديل ورقية أو بأيديهم تجنبا لرائحة الغاز النفاذة والكريهة، والتي بدت أنها تؤثر بشكل خاص على كبار السن والمصابين بنزلات برد، في حين يردد بعضهم عبارات غاضبة يصبونها على الشرطة أو المحتجين والنظام الحاكم، أو على الجميع.
والسؤال المشترك بين المارة الغاضبين: إلى متى نظل على هذا الوضع؟
وحده قلب الميدان يبدو هادئا نوعا ما، حيث يرقد عشرات المعتصمين داخل خيامهم منهكين من عناء اشتباكات الأمس، وقليل منهم من كان مستيقظا يقضي صباحه في تنظيف شوارع الميدان.
وعلى كورنيش النيل (الشارع المطل على النيل)، والمتفرع من الميدان، يختفي من أمامك مشهد الصباح الباهي ونسمات النيل النقية، ويصدم ناظريك جذوع أشجار الزينة المقتلعة وأوراقها مبعثرة بعد أن كانت متراصة بانتظام أمام فندقي "شبرد" و"سميراميس" المتجاورين، تفوح منها رائحة احتراقها مساء أمس الإثنين، وتعرقل حركتك الحجارة بأحجامها المختلفة المتناثرة في الشارع، ويضغط على أنفاسك آثار الغاز.
ورغم مرور ساعات على انتهاء الاشتباكات كانت النيران مشتعلة في بعض جوانب الشارع، وأمام الفندقين والمباني المجارورة، وأفراد الإطفاء يصوبون نحوها خراطيم المياه، ويتناثر من حولهم عمال النظافة، مكممين أنوفهم تجنبا لروائح الغاز والحرائق، يزيليون ما يستطيعون من مخلفات.
كما ينهمك بعض مجندي الشرطة في إزالة سيارة محترقة من الطريق لتسهيل حركة المارة.
وفي الشارع الموازي لكورنيش النيل من ناحية وسط القاهرة؛ حيث تتواجد السفارتين الأمريكية والبريطانية بدت الشوارع المليئة بالأحجار المتناثرة، شبه خالية من الناس، بعد أن كانت في هذا الوقت من كل صباح يمتد أمامها طابور طويل من المصريين والأجانب الراغبين في إنهاء معاملاتهم.
وأعلنت السفارتان في وقت سابق عن إغلاق أبوابهما ، لوقوعهما في منطقة الاشتباكات، خاصة بعد استهداف السفارة البريطانية بالحجارة، واحتراق جزء من مدرسة الليسيه المجاروة.
وكما عادت حركة المرور إلى ميدان التحرير، عادت أيضا إلى جسر قصر النيل، المؤدي للميدان، والواصل بين القاهرة والجيزة، والذي تعطلت فيه لساعات أمس خلال الاشتباكات التي وقعت فوقه.
وشهد جسر قصر النيل والأجزاء القريبة منه من ميدان التحرير اشتباكات قوية بين الشرطة ومحتجين، تخللها استخدام قنابل مسيلة للدموع من قبل الشرطة ورشق بالحجارة وقنابل المولتوف، وإشعال الحريق في عدد من المدرعات من قبل المحتجين، سقط خلالها العديد من المصابين من الجانبين.
ووقعت هذه الاشتباكات في إطار أحداث العنف الاحتجاجي الذي تشهده مصر على مدار الأيام الخمسة الماضية بالتزامن مع الذكرى الثانية لثورة 25 يناير، وأسفرت عن مقتل 51 قتيلا، بينهم رجلا شرطة، ومئات المصابين في القاهرة ومدن قناة السويس الثلاثة (بورسعيد- الإسماعيلية- السويس)، تخللها صدور قرارات بفرض حظر التجول وإعلان حالة الطوارئ في مدن القناة.