سارة آيت خرصة
الرباط – الأناضول
غادر بلاده قبل تسعة أشهر، هاربًا من الاضطرابات التي تعيش على وقعها مالي منذ الإعلان عن الانقلاب العسكري في 22 من مارس/ آذار الماضي، حلم الهجرة شمالاً كان يراوده منذ زمن بعيد.
فحتى في عهد السلم السياسي، شجع انتشار البطالة وضعف التنمية الاقتصادية كثيرًا من الشباب من دول الساحل والصحراء على الهجرة إلى المغرب، أو عبور البحر الأبيض المتوسط في اتجاه أوروبا.
"وصلت إلى المغرب بعد رحلة دامت شهرًا في الصحراء، كانت شاقة ومحفوفة بالمخاطر، خاصة على الحدود المغربية الموريتانية لكنني في النهاية استطعت التسلل"..
يقول داود (32 سنة) شاب من مالي، وهو يعرض البضاعة في أحد أسواق الرباط الشعبية لا تسعفه غير لغته الفرنسية في مخاطبة أهل البلد وإقناع المارة بشراء معروضاته.
ويضيف أنه كان يهدف للذهاب إلى إسبانيا بحرًا انطلاقًا من الأراضي المغربية، لكن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها جعلته يؤجل "الحلم الأوروبي"، ويستقر في المغرب إلى حين.
ويتوافد على المغرب خلال السنوات الأخيرة عدد من المهاجرين من دول جنوب الصحراء، في طريقهم للعبور إلى الأراضي الأوروبية خاصة إلى إسبانيا، غير أن عددًا منهم يستقر في المغرب، لتصبح الأراضي المغربية موطن استقرار لا نقطة عبور، وفي عدد من مدنه يزاولون مهنية هامشية لتوفير قوتهم اليومي.
ويمضي داود الذي يقيم بغرفة صغيرة في أحد الأحياء الشعبية بالرباط، قائلاً "عملت في البداية في أشغال البناء إلى جانب عدد من المهاجرين من دول جنوب الصحراء، والذين وصلوا إلى المغرب في رحلات هجرة لا تقل صعوبة عن تلك التي عشتها، الوضع هنا في المغرب أفضل من العودة إلى مالي حتى وإن كانت الأوضاع فيها مستقرة، فالبطالة منتشرة في كل مكان".
وتتحدث الأرقام الرسمية المغربية عن أن ما يناهز 600 ألف إلى 800 ألف شخص يتم استقطابهم سنويًا من جانب شبكات للاتجار بالبشر، تنشط على طول الحدود الشاسعة التي تفصل دول الساحل والصحراء.
فيما لا توجد أرقام رسمية لعدد المهاجرين من دول جنوب الصحراء الوافدين على المغرب بطريقة غير شرعية، تقدر منظمات غير حكومية العدد بحوالي 25 ألف مهاجر مقيم على التراب المغربي.
وتقول السلطات المغربية إنها نجحت في إعادة 15 ألفًا من المهاجرين من دول جنوب الصحراء الوافدين على المغرب بطريقة غير شرعية في إطار برنامج رسمي أطلقه المغرب لتشجيع هؤلاء المهاجرين على العودة الطوعية إلى بلدانهم.
وبحسب خبراء في الشأن الإفريقي للأناضول فإن المغرب يخشى من تزايد الأعداد التي يستقبلها من المهاجرين غير الشرعيين من دول الساحل والصحراء غداة اندلاع الحرب في مالي.
وتصدر موضوع الهجرة أجندة اللقاء الذي جمع وزراء الداخلية لكل من المغرب وإسبانيا وفرنسا والبرتغال في الرباط الجمعة الماضية، حيث بحث البلدان الأربع سبل التنسيق الأمني لمواجهة التهديدات الأمنية التي تعرفها المنطقة.
وقد لا تنتهي رحلة الهجرة جنوبًا من مالي أو النيجر أو ساحل العاج وغيرها من دول الجنوب الإفريقي، في المغرب فقط، ولكن عددًا من المهاجرين من جنوب الصحراء يتوجهون إلى الشمال المغربي ومنه عبر قوارب بحرية في اتجاه إسبانيا.
وتفيد تقارير صحفية بمحاولات لأعداد من المهاجرين من دول جنوب الصحراء التسلل إلى مدينتي سبتة ومليلية على التراب المغربي والخاضعتين للسيطرة الإسبانية، وحيث تعمل قوات الأمن المغربية ونظيرتها الإسبانية على منع تسللهم إلى داخل المدينتين عبر جدار الأسلاك الشائكة التي يحيط بهما.
ويحاول مهاجرون آخرون العبور إلى الضفة الأوروبية عبر زوارق مطاطية، أو بالاتفاق مع بعض المهربين، تقوم قوات الحرس الحدودي المغربي وبالإسباني بدوريات يومية لمنع انطلاق هذه القوارب من الشواطئ الشمالية المغربية، ومنع وصولها إلى الضفة الإسبانية.
وتتحدث الإحصائيات الرسمية المغربية عن أكثر من 6300 مهاجر سري تم إنقاذهم من الغرق في مياه المتوسطي.
وتطالب عدد من المنظمات الحقوقية المغربية السلطات بتحسين ظروف إقامة المهاجرين القادمين من دول الساحل والصحراء إلى المغرب، محذرة من الظروف الصعبة التي "يتم فيها ترحيلهم فيها من المغرب" وبعض "السلوكات العنصرية اتجاههم".
وكان عدد من الجمعيات الأهلية المغربية في الرباط قد أنشأت أقسامًا خاصة لاستقبال المهاجرين من دول جنوب الصحراء، من أجل مساعدتهم على الاندماج وتعليم صغارهم، والحصول على عمل من أجل سداد حاجياتهم.