6 سنوات على "النهضة" الإثيوبي.. مصر تتمسك بـ "شعرة" التعاون (تحليل)
وزير مياه مصري أسبق قال للأناضول إن موقف القاهرة "قائم على الترقب الآن، وينتظر التقرير الاستشاري الذي سيصدر بخصوص سد النهضة"
05 أبريل 2017•تحديث: 05 أبريل 2017
Al Qahirah
القاهرة/ حسين القباني/ الأناضول-
مع مرور 6 سنوات على بدء بناء سد النهضة الإثيوبي، تتمسك مصر بـ"شعرة" تعاون مع أديس أبابا، دون أن تترك الأمور تصل لا إلى صراع، ولا إلى تهديد حصتها المائية السنوية من مياه نهر النيل، البالغة 55.5 مليار متر مكعب، وفق محللين مصريين معنيين.
الموقف المصري، "التعاوني"، وفق مسؤولين مصريين سابقين، وأكاديمي مصري بارز، تحدثوا للأناضول بشكل منفصل، جاء مستندا لـ 4 حيثيات متعلقة بتجنب ويلات الصراع، وأهمية التعاون المائي، والتواجد في إفريقيا سياسيا واقتصاديا وأمنيا، بخلاف إيمان القاهرة أن الاتفاق الرئاسي الثلاثي في 2015، وضع كثيرا من النقاط فوق الحروف بالنسبة لقواعد تشغيل وملء السد.
وفي مارس/آذار 2015، وقّعت وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة في الخرطوم، وتضمنت موافقة على استكمال إجراءات بناء السد، مع إجراء دراسات فنية لحماية الحصص المائية من نهر النيل للدول الثلاث، إثيوبيا بلد السد ودولتي المصب السودان ومصر.
ويترقب الموقف المصري، المتمسك بشعرة التعاون حتى الآن، التقرير الاستشاري الفني المعني بتقديم دراسة فنية عن سد النهضة، وفق المصادر ذاتها.
وتنتظر مصر والسودان وإثيوبيا وفق اتفاق تم في سبتمبر/أيلول 2016، نتائج مكتبين استشاريين فرنسيين متخصصين يقومان بإعداد ملف فني عن السد وأضراره، سيتم رفعه إلى دولتي المصب (مصر والسودان) ودولة المنبع (إثيوبيا) على أن تنتهي الدراسات في أغسطس/ آب المقبل. فضلا على أنه سيتم تقديم أول تقرير فنى "استهلالى مبدئى" منتصف أبريل/ نيسان الجاري خلال اجتماع فني ثلاثي بالقاهرة، وفق تقارير محلية مصرية. وبدأت الحكومة الإثيوبية إنشاء سد النهضة في أبريل/نيسان 2011، على النيل الأزرق(أحد روافد نهر النيل)، بمدينة "قوبا" على الحدود الإثيوبية- السودانية، على بعد أكثر من 980 كيلومترا، من العاصمة "أديس أبابا"، وينتظر أن يكتمل بناؤه في يونيو/ حزيران المقبل. وفيما تتخوف مصر من تأثيرات سلبية محتملة للسد الإثيوبي على حصتها المائية، تقول أديس أبابا إنها لا تستهدف الإضرار بمصر، وإن الطاقة الكهربائية التي سيولدها السد (منها 6000 ميغاوات داخليا و2000 بيع للدول المجاورة) ستساعد في القضاء على الفقر، وتعزيز النهضة التنموية في إثيوبيا.
سد بين التعاون والمرواغة
مني عمر، مساعدة وزير الخارجية المصري سابقا للشؤون الإفريقية، قالت للأناضول، إن موقف مصر بالنسبة لسد النهضة في "مستوى التعاون الذي يعد في أحسن حالاته، واستطاع أن يبني قاعدة الثقة المتبادلة بين البلدين".
وأكدت عمر، مدير مركز إفريقيا بالجامعة البريطانية بمصر (خاصة) أن "الموقف المصري مرن، واستوعب أية أزمات في هذا الملف، رغم أنه كان هناك انتقادات لذلك".
هذا الموقف المصري، أسفر "عن تعاون في كل المجالات بين مصر وإثيوبيا، وتنسيق وتشاور في كل القضايا سياسية أو اقتصادية"، وفق المسؤولة الدبلوماسية المصرية السابقة.
لكنها أقرت أن هذا التعاون لم "يوقف بناء السد غير أنه على الأقل أوجد اتفاقا ثلاثيا في 2015 بموجبه تتعهد إثيوبيا بعدم إلحاق الضرر بأي من مصر والسودان"، واصفة الموقف بأنه "شديد الإيجابية".
على مسافة قريبة من هذا الطرح، أكد هاني رسلان، مستشار مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية (حكومي) في تصريحات للأناضول، أن الموقف المصري "أعلن خياره التعاوني مع دول حوض النيل، باتفاقات منها الاتفاق الثلاثي وجولات إفريقية".
غير أن رسلان اختلف في توصيف موقف إثيوبيا من السد، قائلا: "الموقف الإثيوبي قائم على المراوغة، والإصرار على تنفيذ مشروع السد كما هو دون اعتبار لمصالح الآخرين، فضلا عن تضييع الوقت، والهيمنة على المياه ومحاولة إيصال الأمور لصراع، وعدم الاستجابة للسياسة التعاونية المصرية".
هذا الاتهام الذي عادة ما ترفضه أديس أبابا، أرجعه هاني رسلان الذي كان يترأس سابقا وحدة دراسات دول حوض النيل بمركز الأهرام (الحكومي) لـ"أسباب سياسية تتعلق بإظهار إثيوبيا كقوة تجلس وتفاوض وتتهم مؤخرا مصر على غير الحقيقة بضلوعها في بث الاضطرابات ببلادها".
واعتبر تقارب السودان مع إثيوبيا في شأن السد وزيارة الرئيس السوادني عمر البشير لأديس أبابا "أمرا طبيعيا"، مؤكدا أن البلدين "حليفان في شأن هذا السد".
فيما رأى محمود أبو زيد، رئيس المجلس العربي للمياه (مستقل) ووزير المياه المصري الأسبق، في تصريحات للأناضول، أن "الموقف المصري قائم على الترقب الآن، وينتظر التقرير الاستشاري الذي سيصدر بخصوص سد النهضة".
.للتعاون 4 حيثيات
"تجنب ويلات الصراع"، وفق رسلان، إحدى الحيثيات التي يفسر بها تمسك مصر بموقفها التعاوني في شأن سد النهضة الإثيوبي، قائلا :"نحن في حوض نهر واحد، ولنا مصالح مشتركة، والتعاون حتمي لحسن استغلال الموارد وتقاسم المصالح".
وأوضح أن "محاولة استثارة طرف لآخر سيقود لصراع، وأي صراع لابد أن ينتهي بتسوية، وبدلا من إضاعة السنوات هكذا، فمصر وهي ذات التاريخ في دعم إفريقيا، تقوم بتفعيل التعاون بطريقة مباشرة؛ لأن أي ضرر سيلحق الأذى بالجميع".
سببان ثان وثالث تضعهما المسؤولة المصرية السابقة، منى عمر، لهذا الموقف المصري، أولهما "مائي" متعلق بـ"اقتناع تام أن مصلحة دول حوض النيل في حسن إدارة مياه النيل، التي يمكن أن تغني الجميع؛ لأن الفاقد المائي كبير جدا، وبالتعاون يمكن استثمار هذه المياه بدون أي صراعات".
الحيثية الثالثة، متعلقة بـ"تفهم مصر لأهمية الظهير الإفريقي، والوجود المصري فيه، لاسيما في شؤون السياسة والاقتصاد والأمن"، وفق عمر.
وأوضحت أن "التعاون في ملف سد النهضة سيدعم السند الإفريقي، والأمن القومي والغذائي والاقتصادي والسياسي لمصر في إفريقيا وأسواقها ومنابرها"، لافتة إلى أن "التأييد الإفريقي أدخل مصر في عضوية مجلس الأمن مؤخرا".
الحيثية الرابعة لـ"شعرة" التعاون المصري، وفق محمود أبو زيد، وزير المياه المصري الأسبق، "مرتبط بإيمان القاهرة برؤيتها، أن اتفاق 2015 الذي وقعت عليه وضع كثيرا من النقاط فوق الحروف، بالنسبة لقواعد تشغيل ومليء السد".
ويدعم أبوزيد، تلك الحيثية بأنّ هناك أمر واقع موجود يتمثل "في الاستمرار في بناء سد النهضة، الذي صار حقيقة واقعة، لاسيما مع بدء في مليء الخزان في هذا العام أو مطلع السنة المقبلة"
المستقبل ..سد يتم و تقرير يحدد مصيره
ويتوقع أبوزيد أن يستمر الموقف المصري في رؤيته التي بناها باتفاق 2015، مضيفا "حتى خروج التقرير الاستشاري، لا تحرك مختلفا ولا تطور متوقعا وستبقي الأمور ساكنة"، مستبعدا تماما لجوء القاهرة لأي حل عسكري ضد السد.
وذكرت إثيوبيا أن قواتها نهاية شهر فبراير/ شباط الماضي تعرضت لهجوم مسلح شنته حركة "قنبوت سبات"(حركة 7 مايو) المعارضة والمحظورة، ضد سد النهضة، بحسب مصادر سياسية وإعلان حكومي رسمي، وحذرت إريتريا من "الاستمرار في دعم المجموعات الإرهابية" دون أن توجه لها اتهاما صريحا، بينما كانت حكومة أديس أبابا اتهمت القاهرة في مرات سابقة بدعم معارضيها وهو ما نفته مصر رسميا.
وحول أي تداعيات للتقرير المترقب، نصح أبوزيد بلاده قائلا "أهم شيء نستمر في الدراسات الخاصة بتقييم الآثار ومتابعة التنفيذ، ومحاولة أن نصل مع الجانب الإثيوبي لاتفاق يوضح قواعد التشغيل والملء بآلية مشتركة فهذا أمر هام جدا".
وأضاف أن "السد سيتم لاشك ونأمل أن يستخدم فقط توليد في الطاقة الكهربائية كما هو معلن ولا يكون استخدامه زراعيا لأنه سيكون بذلك عبئا علي مصر".
وفيما استبعد هاني رسلان، مستشار مركز الاهرام الاستراتيجي، أيضا اللجوء المصري إلى سيناريو الضربة العسكرية للسد الإثيوبي، وضع احتمالية مستقبلية لـ"حرب باردة" إذا استمرت إثيوبيا في عدم التجاوب مع مصر في مخاوفها ومطالبها.
ورغم عدم تفاؤل رسلان من التقرير الاستشاري المرتقب وفق ما يقول إلا أنه أكد أن "مصر رسميا ستبقي ملتزمة بالتعاون وتمد يدها لإثيوبيا".
وعبر عن مخاوفه من انهيار لسد النهضة، مرجعا إياه إلى "تصميمات السد التي بها قصور كبير وتدعى إثيوبيا إنها التزمت بتلافيها".
في القراءة المستقبلية أيضا، رأى عبد الحميد الدمرادش، عضو لجنة الزراعة والري في البرلمان المصري، في تصريحات للأناضول، أن الموقف المصري سيبقي في إطار "تعاون وعلاقات طبيعة" مع الجانب الإثيوبي إزاء ملف سد النهضة.
وأكد أنه "لو حدثت أي أزمة فلدي ثقة أن الرئيس (عبد الفتاح السيسي) سيحدث المصريين بكيفية مواجهتها ولن يترك الأمور تصل لأزمة متعلقة في المياه نهائيا"، مؤكدا أن "هذا الملف تتعامل معه الدولة بمستوى عال" وأنه ليس لديه تخوف من المستقبل.
وفي نهاية يناير/ كانون ثان الماضي، قال السيسي في خطاب وقتها إنه "لا أحد يستطيع العبث بحصة مصر في مياه النيل لأنها مسألة حياة أو موت".