القاهرة/ حسين القباني/ الأناضول
تكررت بالآونة الأخيرة في مصر هجمات "إرهابية" ضد المدنيين، ودُور العبادة، والمنشآت المدنية؛ كان أحدثها، الجمعة الماضي، باستهداف مسجد بشمال سيناء شمال شرقي البلاد، وذلك قبل أشهر قليلة من إعلان إجراءات الترشح رسميًا في رئاسيات 2018 شهر ديسمبر كانون الأول المقبل.
هذا الهجوم الإرهابي،الأكبر في تاريخ مصر الذي خلف 305 قتلى، و128 مصابًا آخرين، سبقه تفجيرات طالت كنائس ومنشآت مدنية، يراه محللون تحدثت إليهم الأناضول بشكل منفصل، امتدادًا لتحوّل استراتيجي للعنف، يستهدف "الحلقات الأضعف في المجتمع" بهدف إحراج النظام المصري بعد عجز تلك التنظيمات عن مواجهة القوات الأمنية والعسكرية، وتراجع عملياتها ضدها.
وحتى صباح الإثنين، لم تُعلن أية جهة مسؤوليتها عن الهجوم، فيما قالت النيابة المصرية في بيان السبت إن منفذي الهجوم الإرهابي كان يحملون راية تنظيم "داعش" الإرهابي.
و"الحلقات الأضعف" والأسهل وفق بعض المحللين، يندرج في إطارها القوى الصوفية الذين كانوا أحد أبرز رواد مسجد "الروضة" المستهدف، فضلًا عن المسيحيين وكنائسهم، والمنشآت الحيوية المدنية، بهدف إشعال معارك جديدة تظهر التنظيمات؛ لا سيما "داعش" بشكل قوي منتصر.
ورأى أكثر من محلل حدثتهم الأناضول، أن مستقبل هذا التحول الإرهابي محدود، شريطة مواجهته مواجهة شاملة، لا تقتصر فقط على الجانب الأمني، غير أنهم في الوقت نفسه أعربوا عن قلقهم من أن تزيد عمليات هذا التحول مع اقتراب رئاسيات 2018 بما يؤثر على المشاركة لا على النتيجة المتوقعة لصالح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن قرر خوض الانتخابات.
** التحول النوعي
في ديسمبر/ كانون الأول 2016، وأبريل/نيسان ومايو/آيار 2017، على الترتيب استهدف تنظيم "داعش" الإرهابي الكنيسة البطرسية الملحقة بمجمع كاتدرائية الأقباط الأرثوذكس بالقاهرة، وكنيستين شمالي البلاد، وحافلة بمحافظة المنيا وسط مصر، تضم مسيحيين وأسفرت تلك الهجمات عن مقتل وإصابة المئات.
وفي سيناء استهدف تنظيم "داعش" مسيحيي العريش على مدار نحو عام، ما أدى إلى مقتل 7 منهم ونزوح عشرات آخرين لمحافظات مجاورة، وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، قتل سليمان أبو حراز، أحد أكبر مشايخ الطريقة الصوفية بمحافظة سيناء، كما استهدف مؤخرًا أيضا منشآت مدنية مثل مصنع الإسمنت بسيناء وسائقيه، وقتل منهم 8 مؤخرًا.
وكذلك استهدف مسعفين وسيارات إسعاف حكومية في حوادث عديدة بسيناء، أحدثها مقتل مسعفين اثنين في هجوم مسجد "الروضة"، أحد مقار الصوفيين الذي ذكرت وسائل إعلام محلية، إنه هدد من جانب تنظيم "داعش" بالاستهداف قبل عام.
وترتكز أغلب الهجمات في سيناء مؤخرًا في العريش بعد تراجعها في "الشيخ زويد"، ورفح بشكل لافت مع عمليات عسكرية متوالية هناك، فيما تظهر عمليات إرهابية بين حين وآخر في العاصمة القاهرة، والجيزة ومحافظات قليلة أخرى.
وكذلك غربي البلاد على الحدود المتاخمة لليبيا، وكان آخرها حادث الواحات الذي راح ضحيته 16 شرطيًا الشهر الماضي.
** تحول ذو جذور
على المستوي الرسمي، اعتبر المتحدث باسم الرئاسة المصرية، السفير بسام راضي، في مداخلة هاتفية مع فضائية مصرية خاصة، أمس الأول السبت، أن "ما حدث في مسجد الروضة هو عملية يأس تمامًا، وكاشفة للوجه الأسود والقبيح للإرهاب الذي أصبحت نهايته قريبة".
وأشار المسؤول المصري إلى تحول أهداف الإرهاب بعد مواجهة عسكرية كبيرة ضده، بالقول: "بعدما فشل الإرهاب في مواجهة الجيش والشرطة والأماكن السياحية توجه إلى المساجد والكنائس لإحداث أكبر خسائر"، ولفت إلى أن "ما يحدث نتيجة الخناق على الإرهاب".
على مسافة قريبة، قال المحلل المصري، صلاح الدين حسن، المتخصص في شؤون الحركات المتشددة المسلحة، في تصريحات للأناضول، إن هناك "تغييرًا في أهداف التنظيمات الإرهابية؛ لا سيما داعش عبر استهداف أهداف مدنية أو أي عناصر مخالفة له بشكل يريد استنزاف الدولة، والهروب من مواجهة مع الجيش والشرطة كبدتهم خسائر".
وأشار إلى أن "داعش بهذا التحوّل والتطور، يستهدف الأطراف السهلة كالصوفيين ومن قبل المسيحيين وأي أهداف مدنية من أجل أن يضغط على القلب، وهو النظام بهدف خلق معركة طائفية تعيده بعد انحساره".
وأوضح أن "تنظيم داعش يريد أن يفعل مثلما حدث في العراق مع الشيعة، والبديل الذي يراه التنظيم حاليًا في مصر عن الشيعة هم الأقباط والصوفية أو عنصر سهل مخالف في سيناء أو أي مكان بمصر، وبالتالي يزرع الفتنة ويدير بتوحش عمليات ضدهم".
وعن دلالة الاستهداف لـ"الحلقة الأضعف"، لفت حسن إلى أنه "لا يعبر عن قوة، ولكن عن انحسار وهبوط وثأريات ومحاولة لإثبات وجود التنظيمات لدى التنظيم الأم في ضوء الضربات العسكرية، وما لمسناه خلال عام من تراجع لافت للعمليات".
** ضغوط وإحراج
بينما قال خالد عرفات، أحد شيوخ قبائل سيناء في حديث للأناضول، إن "ما تعرّضت له سيناء مؤخرًا، هو حلقة من حلقات الضغط على مصر، وتفريغ سيناء من أهلها في إطار ما يراه البعض صفقة تقود واشنطن لحل القضية الفلسطينية".
وتوقع أن "يستمر استهداف مصر بهذه العمليات الإرهابية في سيناء، قبل أن يستدرك بالقول: "لكنها ستفشل وتبقى سيناء مصرية".
وفي هذا السياق، اختلف المحلل صلاح الدين حسن مع طرح تفريغ سيناء لصالح مخطط إسرائيلي أمريكي، قائلًا: "هذه سياقات تتفق مع نظرية المؤامرة، وسيناء جزء من مصر، ولن تُسلّم لآخرين وهناك مخطط للتنمية والتعمير من الدولة متوازٍ مع المواجهات العسكرية هناك، ولا أتصور أن مصر تتنازل عن سيناء وهناك جيش وطني موجود".
في سياق ليس ببعيد، رجح الأكاديمي المصري، سعيد صادق، المتخصص في العلوم السياسية، في حديث للأناضول، أن استهداف الأطراف الرخوة في سيناء أو في أي مكان هدفه التأثير والضغط على النظام.
ورأى أن "العملية الأخيرة مستهدف بها النظام وشعبيته، لإحراجه أكثر والطعن في قدراته على حفظ الأمن، أحد وعوده للمصريين، خاصة وإنها أتت بعد مؤتمر عالمي للشباب بشرم الشيخ (الشهر الماضي) ظهرت مصر فيه بأنها استعادت نسبة كبيرة من الاستقرار فضلا على أنه قبل الانتخابات الرئاسية".
من جانبه، أوضح الصحفي المصري، ياسر رزق، رئيس مجلس إدارة مؤسسة "أخبار اليوم" (الحكومية)، في تصريحات متلفزة أمس الأحد أن الهجوم الإرهابي استهداف لكل المصريين وليس صوفيين أو مدنيين دون عسكريين، مؤكدا أن ما يحدث ليس نهاية المطاف في حرب مصر ضد الإرهاب فهناك جولات كثيرة.
وفيما دعا رزق إلى التنبه في ظل مسرح عمليات مفتوح وطرق جديدة في الاستهداف من الإرهابيين، أرجع أسباب هجوم المسجد إلى 3 أمور هي ترويع المصريين حتى لا يشاركوا في رئاسيات 2018، وجعل مصر بلدة فاقدة للاستقرار، وتعبير من الإرهابيين عن الإحباط من تقدم مصر خلال السنوات الأربع الماضية
**الحلول والمستقبل
وبالنسبة للمشهد الرسمي في مصر، توقع صادق أن تستمر تلك الضغوط على النظام في شكل عمليات إرهابية مؤثرة ضد أهداف رخوة مثل الأقباط وغيرهم.
واستدرك بالقول: "لكن هذا التغيير في بنك الأهداف، لن يبتعد تمامًا عن الجيش والشرطة وبالتالي لا بد من الانتباه والحذر".
وتابع: "هذا كله وإن أثر داخليًا على النظّام وشعبيته قبل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، فلن يؤثر عليه خارجيا فعقب الحادث حصل على دعم كبير وغير مسبوق من الغرب، وطالما الدعم الخارجي موجود فلا قلق على النظام واستقراره".
وأوضح صادق أن الحلول في ظل عدم الجزم بنهاية العمليات الإرهابية تتمثل في مكافحة شاملة للإرهاب، لا تقتصر فقط على البعد الأمني، وتمتد للبعد الاجتماعي والتنموي والسياسي.
واستبعد أن يكون لدى النظام الفترة المقبلة أي "تصور سياسي لحل الأزمة في ظل قبوله بالحل الأمني عادة".
وتوقع أن تقل المشاركة الشعبية في الانتخابات الرئاسية؛ جراء تلك العمليات المحتملة، مستدركا "لكنها لن تؤثر على المشهد السياسي، ولن تغيره".
وعلى مستوى التنظيم، رجح المحلل المصري البارز، صلاح الدين حسن، أن تنظّيم "داعش" في سيناء بعد هذه العملية الأخيرة ربما يكون معرضًا للانشقاق الداخلي، وربط بين هذا التأخر في إعلان مسؤوليته عن العملية، واحتمال وجود غضب داخلي من إتمام العملية بهذا الشكل الوحشي.
هذا الانشقاق المحتمل في المستقبل، وفق حسن، يأتي في سياق تواجد لم ينته من التنظيمات المسلحة مثل "داعش"، وأخيرًا القاعدة في ظهورها المحتمل في حادث "الواحات" الأخير، فضلًا عن "حسم" (تنظيم مسلح نشط بمصر منذ العام الماضي)، الذي يشهد خفوتًا ربما يبدو تحت إثر الضربات الأمنية أو التراجع أو الترقب.
واستدرك: "لكن هذا الخفوت والتراجع يشير إلى مستقبل محدود وثمة منحدر هبوط، وليس صعود".
وأشار إلى أن تلك التنظيمات باستثناء "حسم"، لا تلقي بالًا للخطاب السياسي، وفكرتها قائمة على التمكين والاستمرار لأفكارها المتوحشة.
news_share_descriptionsubscription_contact


