17 أغسطس 2017•تحديث: 17 أغسطس 2017
الخرطوم / عادل عبد الرحيم / الأناضول
ربما لم تحظ شخصية سودانية في العصر الحديث بإجماع كالذي حظيت به فاطمة إبراهيم (85 عاما)، القيادية في الحزب الشيوعي السوداني، وأول برلمانية في تاريخ السودان.
هذه المكانة عبرت عنها شعارت رفعها مشيعون لجثمان فاطمة في الخرطوم أمس، ومنها: "فاطمة أم الشعب"، و"فاطمة أم القيم".
بعيدا عن وطنها، توفيت فاطمة السبت الماضي في العاصمة البريطانية لندن، التي قصدتها قبل 27 عاما بعد انقلاب عام 1989 الذي جاء بعمر حسن البشير إلى السلطة.
السودانيون يحفظون لفاطمة المولودة في الخرطوم عام 1932 تاريخا نضاليا طويلا، حيث قادت وهي لا تزال طالبة أول تظاهرة نسائية عام 1949 ضد الاستعمار البريطاني (1899 ـ 1956).
وبعد استقلال السودان بعامين ناهضت فاطمة التي انضمت إلى الحزب الشيوعي عام 1952 أول انقلاب عسكري في تاريخ السودان، الذي استولى على السلطة عام 1958 برئاسة الفريق إبراهيم عبود (1958 ـ 1964).
نضال آخر اشتغلت به فاطمة، وهو حصول المرأة السودانية على حقوقها السياسية، ما أوصلها عام 1965 إلى البرلمان، لتصبح أول نائب في تاريخ السودان.
ووفق السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني محمد مختار الخطيب، في كلمة مسجلة، فإن "فاطمة هي أول برلمانية في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، وقد ناضلت من أجل الحرية والسلام والعدالة".
المنعطف الأكبر في حياة فاطمة كان إعدام نظام الرئيس جعفر النميري (1969 ـ 1985) لزوجها القيادي الشيوعي رئيس اتحاد عمال السودان الشفيع أحمد الشيخ، والسكرتير العام للحزب عبد الخالق محجوب، وآخرين، يوم 26 يوليو / تموز 1971، بتهمة دعم محاولة انقلاب فاشلة نفذتها في 19 يوليو / تموز من ذلك العام مجموعة تطلق على نفسها "الضباط الأحرار".
المحاكمات طالت فاطمة أيضا، لكنها خرجت منها أكثر صلابة، وواصلت مناهضتها لنظام النميري حتى أطيح به في انتفاضة شعبية عام 1985.
مع هذه الأحداث، صارت فاطمة رمزا للشيوعين ولغيرهم يتغنون بها وبابنها الوحيد أحمد وبزوجها المقتول على المشنقة.
ومحتفيا بها، قال زعيم حزب الأمة السوداني المعارض الصادق المهدي، في بيان، إن "الأستاذة فاطمة من رائدات الدعوة إلى حقوق المرأة، ومن الناشطات في الدعوة إلى الديمقراطية إبان نظم التسلط الاستبدادي في البلاد".
وكان لنشأة فاطمة في أسرة متعلمة ومتدينة تأثير كبير في تكوين شخصيتها، فجدها كان أول ناظر لمدرسة للبنين في السودان، وإماما لمسجد، ووالدها تخرج في الجامعة معلما، ووالدتها من أوائل السودانيات اللواتي حظين بتعليم مدرسي في السودان.
وعي فاطمة السياسي بدأ في التبلور مبكرا نتيجة تعرض والدها لمضايقات من قبل إدارة التعليم البريطانية، حتى اضطر إلى ترك المدارس الحكومية بسبب دعوته المتكررة إلى تدريس اللغة العربية.
وبحسب الأمين العام للحركة الشعبية / قطاع الشمال المتمردة، ياسر عرمان، في بيان، فإن "فاطمة عنوان من العناوين المهمة في كتاب نضال المرأة السودانية الحديث، وأطول النخلات النسائية في تاريخنا الوطني بعد رحيل الاستعمار".
ولم تغب فاطمة عن مجال الصحافة، حيث أصدرت عام 1955 مجلة "صوت المرأة" مع عدد من أعضاء الاتحاد النسائي، وتولت رئاسة تحريرها كأول رئيسة تحرير سودانية.
وهي من مؤسسات الاتحاد النسائي السوداني، وترأست مكتبه التنفيذي عام 1956، ثم تفرغت للعمل النسوي.
وفي عام 1991 تم اختيارها رئيسة للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، كأول امرأة عربية وإفريقية مسلمة ومن العالم الثالث تترأس هذه المؤسسة النسوية العالمية.
بعدها بعامين، حصلت فاطمة على جائزة منظمة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان 1993، تقديرا لدورها في الدفاع عن الحريات والديمقراطية وقضايا المرأة.
فيما منحتها جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية دكتوراه فخرية عام 1996، لجهودها في الدفاع عن القضايا النسوية ومناهضة استغلال الأطفال.
كما منحها صندوق "ابن رشد" التابع لمؤسسة "فريدريش آيبرت" الألمانية عام 2006 جائزة حرية التفكير، لشجاعتها في قضايا حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية.
ولفاطمة إبراهيم مؤلفات عديدة، منها: "حصادنا خلال 20 عاما"، "آن آوان التغيير ولكن"، و"المرأة العربية والتغيير الاجتماعي"، "حول قضايا الأحوال الشخصية"، و"قضايا المرأة العاملة السودانية"، و"أطفالنا والرعاية والصحية".
بعد كل هذا النضال كان الإجماع على فاطمة إبراهيم جليا في مشهد المشيعين لجثمانها، حيث تدافع قادة الأحزاب السياسية لتقديم واجب العزاء والمشاركة في التشييع.
كما قدم نائب الرئيس السوداني رئيس الوزراء بكري حسن صالح رفقة عدد من المسؤولين واجب العزاء.
لكن اعتراضات مشيعين عجلت برحيل الوفد الحكومي، وسط هتافات تطالب بإسقاط نظام البشير الذي يرفض الحزب الشيوعي التحاور معه، ورفض عرضه بتحمل نفقات نقل جثمان فاطمة من لندن وتشييعه بشكل رسمي، تقديرا لمكانتها لدى السودانيين.