"ألوان تحكي".. أطفال نازحون من جنوبي لبنان يرسمون حلم العودة (تقرير)
- أكثر من 120 طفلا شاركوا في مبادرة "ألوان تحكي" إلى جانب نحو 100 فنان تشكيلي على أن تُعرض الأعمال في معرض دولي لدعم النازحين
Wassim Samih Seifeddine
09 أكتوبر 2026•تحديث: 09 أكتوبر 2026
LÜBNAN
بيروت/ وسيم سيف الدين/ الأناضول
- لوحات الأطفال استحضرت المنازل والقرى والأشجار والمدارس والذكريات التي تركوها خلفهم بسبب النزوح جراء العدوان الإسرائيلي المستمر
- المبادرة هدفت إلى تخفيف آثار الحرب والنزوح والضغوط النفسية عن الأطفال وإتاحة مساحة للتعبير عما بداخلهم
بينما يعيش أطفال نازحون من جنوبي لبنان في مراكز إيواء ضيقة، بعيدا عن بيوتهم ومدارسهم وقراهم، وجد أكثر من 120 منهم مساحة للتعبير عن مشاعرهم، ليس بالكلمات، وإنما بالألوان والريشة.
فعلى أرض ملعب "الهوبس" الرياضي في ضاحية بيروت الجنوبية، جلس الأطفال إلى جانب نحو 100 فنان تشكيلي من مناطق لبنانية مختلفة، ضمن مبادرة فنية وإنسانية.
هذه المبادرة التي نظمت الأحد، حملت عنوان "ألوان تحكي"، وأطلقتها جمعية "تاليا" الأهلية لمنح الأطفال فرصة للتعبير عن آثار النزوح والحرب واستعادة شيء من الفرح الذي غاب عن حياتهم.
ومنذ 2 مارس/آذار الماضي، تشن إسرائيل عدوانًا على لبنان، ما خلف أكثر من 4 آلاف قتيل و12 ألف جريح، وأكثر من مليون نازح، وفق السلطات اللبنانية.
ضغوط نفسية
وقالت مسؤولة العلاقات العامة في الجمعية رولا مجذوب للأناضول إن المبادرة جاءت بعد ملاحظة حجم الضغوط النفسية التي يعيشها الأطفال النازحون في مراكز الإيواء، ولا سيما مع استمرار ظروف النزوح.
وتابعت: فضلا عن ملاحظة أن الرسم يمثل بالنسبة إليهم وسيلة محببة وفعالة للتعبير عن مشاعرهم.
وأضافت أن المبادرة جمعت الفنانين بالأطفال، بحيث عمل كل فنان مع طفل على إنجاز لوحة، على أن تعرض الأعمال لاحقا وتباع ضمن معرض فني دولي، ويخصص ريعها لدعم النازحين.
وأوضحت أن الفنانين المشاركين قدموا أيضا لوحات من أعمالهم الخاصة لعرضها وبيعها في المعرض نفسه.
وسيحصل الفنانون على 40 بالمئة من ثمن اللوحات، فيما يخصص الجزء المتبقي للجمعية بهدف دعم النازحين، وفق مجذوب.
مساحة للألوان
خرج الأطفال لساعات من أجواء مراكز الإيواء التي يقيمون فيها، إلى مساحة مفتوحة امتلأت بالألوان واللوحات والريش والأدوات الفنية.
وهي محاولة لمنحهم فرصة للابتعاد، ولو مؤقتا، عن مشاعر الخوف والاقتلاع والحبس التي رافقت تجربة النزوح جراء العدوان الإسرائيلي.
وبحسب منظم المبادرة، الفنان عبد الرحمن محمد، فإن هذا النشاط من التجارب التي لاقت تفاعلا كبيرا بين الأطفال والفنانين.
وأردف أنه أسفر عن إنجاز نحو 150 لوحة اتسمت بالبساطة والعفوية، وعكست مشاعر الأطفال والظروف التي فرضت عليهم.
ولاحظ مراسل الأناضول خلال النشاط تكرار صور المنازل، ولا سيما البيوت القروية المحاطة بالأشجار والحدائق، في كثير من رسومات الأطفال، بما يعكس حضور المكان والحنين إليه في ذاكرتهم.
ومن لوحة إلى أخرى، رسم الأطفال ما فقدوه أو ما يتمنون استعادته: منزل، وشجرة، وقمر، وبحر، وقرية، ومدرسة، وذكريات يومية تبدو في ظروف النزوح أبعد من مجرد تفاصيل طفولية.
حلم العودة
من بين المشاركين الطفلة تيا قدوح (11 عاما)، وهي نازحة من بلدة يارون في قضاء بنت جبيل بمحافظة النبطية جنوبي لبنان.
جلست تيا أمام لوحتها ترسم مشهدا يرتبط مباشرة بذاكرتها عن منزلها، الذي قالت إنه تعرض للقصف خلال الحرب.
وأضافت للأناضول أنها شاركت في المبادرة لكي تظهر موهبتها في الرسم، لكنها أرادت في الوقت نفسه أن تنقل من خلال لوحتها رسالة تتجاوز الفن نفسه.
وأوضحت أنها تتمنى أن يتحقق حلم الأطفال بالعودة إلى بيوتهم.
وعن تفاصيل لوحتها، قالت تيا إنها رسمت القمر والأشجار التي كانت تحب الجلوس تحتها في النهار والليل، مستذكرة أحاديثها مع صديقتها وذكرياتهما من أيام المدرسة.
وتابعت أنها تتمنى أن تعود تلك الأيام، وأن يُعاد إعمار منزلها وبيوت الناس، وأن يتمكن الأطفال من استعادة ما كانوا يحبون القيام به قبل الحرب.
الريشة في مواجهة الحرب
الفنان التشكيلي ناجي المعماري، من مجدليون في صيدا جنوبي لبنان، قال للأناضول إن مشاركته في المبادرة كانت ذات معنى شخصي بالنسبة إليه، باعتباره من أبناء الجنوب، وسبق أن عاش تجربة النزوح.
وأوضح أن الدعوة للمشاركة كانت عزيزة على قلبه بسبب شعوره بالمأساة التي عاشها الأطفال النازحون.
واعتبر أن المشاركة عمل إنساني واجتماعي يساهم في تعزيز التضامن بين اللبنانيين.
وأوضح المعماري أن الهدف من النشاط هو إدخال "البهجة والفرح والسرور" إلى حياة الأطفال الذين يعيشون ظروفا مأساوية، ومحاولة إخراج الطاقة السلبية التي خلفتها الحرب واستبدالها بطاقة إيجابية من خلال اللون والريشة.
وأشار إلى أن إحدى اللوحات التي عمل عليها مع طفلة تحمل فكرة عن السلام، قائلا إن الفنانين يمكن أن يكونوا "رسل سلام"، وإن الأطفال يمكن أن يشكلوا نواة لهذا الدور.
يوم مختلف
أما الفنان التشكيلي أحمد خليفة، فقال للأناضول إن مشاركته هدفت إلى مساعدة الأطفال على قضاء يوم مختلف، واكتشاف مواهبهم الفنية، وإنجاز لوحات تعبر عن أفكارهم.
وأوضح أن دوره مع الأطفال لم يكن الرسم نيابة عنهم، بل مساعدتهم على تطوير أفكارهم واختيار الألوان وتنفيذ ما يريدون التعبير عنه.
وأردف خليفة أن الأطفال أظهروا قابلية كبيرة للتعلم والتفاعل.
ورأى أن وجود الفنان إلى جانب الطفل يحمل فائدة متبادلة، إذ يحصل الطفل على الدعم، بينما يستمد الفنان نفسه دعما من الأطفال وما يقدمونه.
وبعض الأطفال سيواصلون الرسم، بينما قد يتوقف آخرون، لكن المشاركين سيحتفظون بذكرى هذا اليوم وبالجهة التي أتاحت لهم هذه التجربة، بحسب خليفة.
ذاكرة الجنوب
الفنان سعد شيبان، الذي شارك في المبادرة، قال إنه عمل مع ثلاثة أطفال، وإن رسوماتهم ركزت على الأرض والشجر والبحر والماء، وهي عناصر رأى فيها تعبيرا عن حبهم للطبيعة والأرض.
وأضاف أن مشاركة الفنانين مع الأطفال النازحين شكلت تجربة إنسانية وفنية مشتركة، أتاحت لهم العمل معا والتعبير عن مشاعر الأطفال تجاه الأماكن التي تركوها.
وفي زاوية أخرى من الملعب، كان الطفل موسى محمد (9 سنوات) يشارك في النشاط بعدما نزح من بلدة صغبين بمحافظة البقاع، ويقيم في مركز إيواء "صبحي المحمصاني".
وقال موسى إنه جاء مع جمعية "تاليا" للرسم وإظهار موهبته أمام الناس، إضافة إلى اللعب والاستمتاع بالأنشطة.
لكنه اختصر أمنيته بجملة تحمل جوهر تجربة أطفال كثيرين مثله: أن يعود الناس جميعا إلى بلداتهم وأن يعاد إعمار بيوتهم.
وتواصل إسرائيل عدوانها على لبنان برغم توقيع لبنان وإسرائيل، في 26 يونيو/حزيران الماضي، اتفاقا يقضي بانسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية المحتلة، مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها، ونزع سلاح "حزب الله".
وتحتل إسرائيل مناطق في جنوبي لبنان، بعضها منذ عقود، وأخرى منذ الحرب السابقة بين عامي 2023 و2024، فيما توغلت خلال العدوان الراهن لمسافة تزيد على 10 كيلومترات.