إسطنبول/ الأناضول
** المقررة الأممية المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي في مقابلة مع الأناضول:
- وصف الفلسطينيين بأنهم "ناجون من إبادة جماعية" يعطي انطباعا بأن تدمير غزة انتهى، بينما 70 بالمئة من مساحة القطاع تخضع لسيطرة الجيش (الإسرائيلي) الذي يسوي بالأرض أكبر قدر ممكن منها
- "الوضع على الأرض كارثي ويتجاوز ما يمكن للكلمات وصفه"
- لسنا (الدول الأوروبية) حلفاء للولايات المتحدة، فالحليف لا يهدد حلفاءه، ونحن في وضع من التبعية والخضوع
- "إسرائيل الكبرى" ليست مشروعا للمستقبل، بل يتم تنفيذها الآن، وليس في فلسطين فقط، ولذلك فالأمر بالغ الخطورة
- العقوبات الأمريكية حرمتني من استخدام بطاقات الائتمان والتأمين الصحي، وأصبحت معتمدة ماليا بالكامل على عائلتي، فلا أستطيع كسب سنت واحد
أكدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، أن الإبادة الجماعية الإسرائيلية في قطاع غزة "لم تنته بعد"، رغم مرور 3 سنوات على بدايتها.
وفي مقابلة مع الأناضول، قالت ألبانيزي إن حجم الدمار في غزة وتفاقم الأوضاع في الضفة الغربية المحتلة يتطلبان ما هو أبعد من مجرد الإدانات الدبلوماسية.
وأضافت ألبانيزي، وهي محامية إيطالية في مجال حقوق الإنسان، أن "الوضع على الأرض كارثي، ويتجاوز ما يمكن للكلمات وصفه".
وفي 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بدأت إسرائيل، بدعم أمريكي، حرب إبادة جماعية في غزة، ما خلّف أكثر من 74 ألف قتيل وما يزيد على 175 ألف جريح فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90 بالمئة من البنى التحتية.
وتابعت ألبانيزي، التي تتولى منصبها الأممي منذ عام 2022، أن استمرار الدمار يثير تساؤلات بشأن استجابة المجتمع الدولي، بما في ذلك سياسات الحكومات التي تدعم إسرائيل.
وتعد واشنطن أكبر داعم لتل أبيب، إذ قدمت لها الإدارات الأمريكية المتعاقبة دعما عسكريا وماليا، ووفرت لها حماية من المساءلة في مجلس الأمن الدولي عبر استخدام سلطة النقض (الفيتو).
وحذرت ألبانيزي من أن وصف الفلسطينيين بأنهم "ناجون من إبادة جماعية" قد يوحي بأن الخطر زال.
وأكملت: "هذا يعطي انطباعا بأن تدمير غزة انتهى، بينما 70 بالمئة من القطاع تخضع لسيطرة الجيش (الإسرائيلي) الذي يسوي بالأرض أكبر قدر ممكن منه".
وردا على سؤال عن كيفية تذكّر غزة إلى جانب حالات إبادة جماعية سابقة، قارنت ألبانيزي ما يجري في القطاع بمعاملة الشعوب الأصلية خلال الحقبة الاستعمارية.
وتساءلت: "كيف يتذكر التاريخ إبادة السكان الأصليين في أمريكا، أو إبادة السكان الأصليين في أستراليا، أو غيرها من أعمال الإبادة التي ارتكبت خلال الحقبة الاستعمارية؟".
ورأت أن "الأمر يعتمد على من يكتب ذلك التاريخ. وفي الوقت الراهن لا نعرف، لأننا عند مفترق طرق".
ووصفت ألبانيزي غزة بأنها ساحة لصراع بين قوتين متعارضتين.
وأوضحت أن إحداهما تضم "من يريدون مواصلة الإبادة والاستغلال ومحو فلسطين"، والأخرى تضم "من يريدون وقف كل ذلك".
وربطت المعسكر الأول بالولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما، وقالت إنه يضم الداعين إلى "مزيد من العسكرة ومزيد من صلاحيات المراقبة بأيدي الدول".
واستطردت: "وعلى الجانب الآخر، تقف في الغالب الشعوب ومعها بعض الحكومات".
وعن المكاسب الانتخابية التي حققها سياسيون ينتقدون الإبادة الإسرائيلية في غزة، قالت ألبانيزي إن الإبادة أثرت في نظرة الرأي العام.
وأضافت: "لا يمكنك قتل الأطفال ثم الادعاء بأنك الضحية. ستكون منفصلا عن الواقع".
وتابعت: "هذا ما يفعله القادة الإسرائيليون، وبعض الأطراف في أوروبا تتبعهم، لكن هذا الخطاب لا يصمد".
وتسود حالة من الغضب الشعبي والرسمي ضد إسرائيل في أنحاء العالم بسبب ممارساتها ضد الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، ولا سيما حرب الإبادة الجماعية المستمرة في غزة.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، تواصل إسرائيل حرب الإبادة الجماعية في غزة عبر قصف يومي قتل 1467 فلسطينيا وأصاب 5161، معظمهم أطفال ونساء، إضافة إلى دمار واسع.
كما تمنع إدخال الكميات المتفق عليها من المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء والمنازل الجاهزة إلى غزة، حيث يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني، بينهم 2.15 مليون نازح، في أوضاع كارثية.
وحذرت ألبانيزي أيضا من تدهور الأوضاع في الضفة الغربية المحتلة، مشيرة إلى عمليات قتل واعتقالات تعسفية واحتجاز وقيود إسرائيلية مفروضة على التجمعات الفلسطينية.
ومنذ بدء الإبادة في غزة، تتكثف اعتداءات الجيش الإسرائيلي وإرهاب المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، ما أدى إلى مقتل 1210 فلسطينيين، وإصابة 13 ألفا و350، واعتقال 26 ألفا.
وتشمل هذه الاعتداءات أيضا هدم منازل ومنشآت، وإحراق مساجد وسيارات، وتجريف أراض زراعية، ومنع مزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وتهجير فلسطينيين، والتوسع الاستيطاني في أراضيهم.
ورحبت ألبانيزي بتحركات 12 دولة غربية لتقييد التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكنها تساءلت عن مدى اتساع نطاق هذه الإجراءات.
وفي سبتمبر/ أيلول الماضي، أعلنت فرنسا وبريطانيا وكندا والدنمارك وإسبانيا وفنلندا وأيرلندا وآيسلندا والنرويج وبولندا والبرتغال والسويد، في بيان مشترك، عزمها فرض قيود إضافية أو دعم قيود مفروضة بالفعل على التجارة مع المستوطنات.
وسلطت ألبانيزي الضوء على القيود التي أعلنتها بريطانيا بشأن بضائع المستوطنات والدعم المالي لبناء المستوطنات وبنيتها التحتية.
واعتبرت أن "هذا يمثل تغييرا في السياسة البريطانية، وهو تغيير طال انتظاره كثيرا، ويقر بعدم قانونية الاحتلال".
لكنها وصفت النهج بأنه "يركز بدرجة كبيرة على المستوطنات"، وتساءلت عن نطاقه، بما في ذلك ما قالت إنه غياب الإشارة الصريحة إلى القدس الشرقية المحتلة.
ومنذ عام 1967، تحتل إسرائيل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ويعتبر المجتمع الدولي المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، بينما تواصل إسرائيل الاستيطان.
وبخصوص العلاقات بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة، رأت ألبانيزي أن الحرب كشفت كلفة اعتماد أوروبا على واشنطن.
وقالت: "لسنا حلفاء للولايات المتحدة، لأنك إذا كنت حليفا لأحد فإنك تحترمه وتتحدث إليه بصورة لائقة ولا تصرخ في وجهه".
واتهمت الولايات المتحدة باستخدام التهديد ضد الدول التي تصفها واشنطن بأنها شريكة لها.
وأضافت: "لا تهدد حلفاءك باجتياح أراضيهم أو بقطع العلاقات معهم. هذا ما تفعله الولايات المتحدة، لأننا لسنا حلفاء، بل نحن في وضع من التبعية والخضوع".
وسبق أن هدد ترامب بقطع العلاقات التجارية وسحب القوات الأمريكية من دول أوروبية للضغط عليها بشأن الإنفاق الدفاعي وملفات تجارية وسياسية.
ودعت ألبانيزي دول الشرق الأوسط إلى النظر في ما وصفته بالروابط بين السياسة الخارجية الأمريكية وطموحات إقامة "إسرائيل الكبرى" المزعومة.
ويشير مصطلح "إسرائيل الكبرى" إلى تصورات لتوسيع الأراضي التي تحتلها إسرائيل على حساب دول إقليمية مجاورة، استنادا إلى ادعاءات توراتية أو تاريخية.
وحذرت ألبانيزي من أن "إسرائيل الكبرى ليست مشروعا للمستقبل، بل يتم تنفيذها الآن، وليس في فلسطين فقط. ولذلك فالأمر بالغ الخطورة".
وأشارت إلى أن بعض أنصار هذه الرؤية يستندون إلى ادعاءات توراتية تمتد إلى الأردن وسوريا وحتى العراق، داعية حكومات المنطقة إلى التعامل مع الأمر بجدية.
ومنذ عقود، تحتل إسرائيل فلسطين وأراضي في لبنان وسوريا، وترفض الانسحاب منها وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة المنصوص عليها في قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وأُقيمت إسرائيل عام 1948 على أراض احتلتها عصابات صهيونية مسلحة ارتكبت مجازر وهجرت ما لا يقل عن 750 ألف فلسطيني، ثم احتلت تل أبيب بقية الأراضي الفلسطينية وترفض الانسحاب.
وتطرقت ألبانيزي إلى التداعيات الشخصية التي لحقت بها جراء انتقاداتها المتكررة لإسرائيل.
وفي يوليو/ تموز 2025، فرضت عليها واشنطن عقوبات، إذ اتهمها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشن "حملة من الحرب السياسية والاقتصادية" ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
ووضعتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قائمة الرعايا المصنفين بشكل خاص، ما يحظر على المواطنين والشركات الأمريكية التعامل معها.
وقالت ألبانيزي إن آثار العقوبات تجاوزت الولايات المتحدة، وأدت إلى تقييد وصولها إلى الخدمات المصرفية والمالية الأخرى.
وجاءت العقوبات بعد تقرير أممي أعدته ألبانيزي عن الشركات التي تسهم في استمرار الأنشطة الإسرائيلية في فلسطين، واتهم التقرير شركات تكنولوجيا أمريكية كبرى، بينها "مايكروسوفت" و"ألفابت" و"أمازون"، بالاستفادة من الاحتلال وتسهيل استمراره.
وفي مايو/ أيار الماضي، علّق قاض أمريكي اتحادي العقوبات، لكن محكمة استئناف سمحت لاحقا بمواصلة تنفيذها إلى حين البت في الطعن القانوني.
وتابعت ألبانيزي أن القيود أثرت في قدرتها على العمل والسفر وتغطية نفقاتها اليومية.
وأوضحت أنها لم تعد قادرة على استخدام بطاقاتها الائتمانية، وحُرمت من التأمين الصحي، ولا تزال ممنوعة من دخول الولايات المتحدة.
وأردفت: "العقوبات تمنعني من أداء مهامي بصفتي موظفة أممية وخبيرة في الأمم المتحدة وأما. كل شيء أصبح متضررا".
وأضافت أنه بسبب عدم قدرتها على إجراء معاملات مالية أو تلقي مدفوعات مقابل أعمال أخرى، باتت تعتمد على أقاربها.
وأضافت: "أصبحت معتمدة ماليا بالكامل على عائلتي".
ولفتت إلى أن عملها في الأمم المتحدة غير مدفوع الأجر، لكن القيود تمنعها أيضا من تلقي مقابل مالي عن مشاريع أخرى.
وختمت قائلة: "لا أستطيع كسب سنت واحد".
news_share_descriptionsubscription_contact
contact_the_ombudsman
is_there_an_error_in_this_story


