الجزائر/ أحمد عزيز/ الاناضول
بالرغم من مرور ما لا يقل عن 16 سنة عن انتهاء الحرب الأهلية في الجزائر والتي تسمى بشكل رسمي المأساة الوطنية، التي شهدت مواجهة عسكرية بين الجيش وقوى الأمن الجزائرية من جهة وجماعات متشددة اسلامية من جهة ثانية ، إلا أنها تبقى موضوع مهما من موضوعات الحملة الإنتخابية التي تشهدها الجزائر هذه الأيام .
يحظى ملف الحفاظ على الأمن والإستقرار بمركز محوري في برامج وخطابات الأحزاب الجزائرية استعدادا للإقتراع البرلماني المقرر في الرابع من مايو/ أيار القادم، لكن الملفت أن هذا الموضوع ظل مركز الدعاية الإنتخابية في البلاد طيلة تسعة استحقاقات ماضية ولازال كذلك.
وشكل ملف الإستقرار في بلاد خرجت لتوها من أزمة أمنية حادة محور انتخابات الرئاسة أعوام 1995 و1999 و2004 و2009 و2014 إلى جانب الإنتخابات النيابية سنوات 1997 و2002 و2007 و2012.
يقدم حزبا الموالاة الرئيسيين في الجزائر وهما حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم وشريكه في الحكومة التجمع الوطني الديمقراطي حالة الأمن والسلم الذين تعيشهما الجزائر كأحد أهم الانجازات التي تم تحقيقها في عهد الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة ، و منذ انتخابات الرئاسة لعام 1995 التي فاز بها الرئيس السابق ليامين زروال ، لم يغب الملف الأمني عن اية انتخابات في الجزائر .
ويستذكر مرشحون للانتخابات التشريعية في الجزائر انجازات السلطة القائمة حاليا ، فيتحدثون عن توقف الحرب الأهلية وعودة الامن والسلم للجزائر بفضل المصالحة الوطنية التي بادر اليها الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة في استفتاء شعبي العام 2005 ساهم في انحسار العنف عقب نزول آلاف المسلحين من الجبال.
ويتحدث زعماء احزب مقربة من السلطة في الجزائر باستمرار عن الوضع في دول عربية و دول مجاورة للجزائر وعن الحروب الأهلية في سوريا وليبيا ودول مالي المجاورة مبرزين دور السلطة القائمة حاليا في الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي.
وبلغت الأمور خلال حملة الدعاية للإنتخابات البرلمانية القادمة حد مطالبة زعماء أحزاب سياسية مقربة من السلطة للمواطنين الجزائريين بالمشاركة بقوة في الانتخابات التشريعية من أجل التأكيد على رفض الشعب الجزائري لأي محاولة لجر الجزائر إلى مرحلة الحرب الأهلية مجددا.
و قال عمارة بن يونس زعيم حزب الحركة الشعبية الجزائرية وهو وزير سابق قبل ايام في تجمع شعبي في إطار الحملة الإنتخابية ان "المطالبين بمقاطعة الانتخابات بسبب الوضع الاقتصادي يريدون اعادة الجزائر إلى سنوات التسعينات عندما كان خروج الناس من بيوتهم ليلا غير ممكن بسبب الحرب والوضع الأمني ".
وأكد الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني جمال ولد عباس في لقاء مع قيادات حزبه في بداية شهر ابريلنيسان الجاري إن "برنامج حزبنا المستمد من برنامج رئيس الجمهورية يقوم على اساس تثمين جهود الدولة في مجال ضمان السلم والاستقرار والأمن، وأي برنامج انتخابي سيكون غير واقعي إذا لم يتوفر الأمن".
في ذات الموضوع قال وزير الداخلية الجزائري نور الدين بدوي في مدينة المدية ( 100 كلم جنوب العاصمة الجزائرية) يوم 12 ابريل/ نيسان إن "المطالبين بمقاطعة الانتخابات التشريعية القادمة هم نفسهم الذين كانوا يخططون لتحويل الشعب الجزائري للإقامة في مخيمات اللجوء في بداية الربيع العربي عام 2011".
والنقاش السياسي في الجزائر حاليا وحتى في السنوات الماضية كان دائما على صلة بالأمن الداخلي أو بمكافحة الإرهاب والمصالحة الوطنية.
ويقول الصحفي الجزائري بوشريط عبد الحي "الشعب الجزائري يدرك جيدا أهمية الأمن والاستقرار، بل ويعتبرهما أكثر أهمية حتى من الحريات ومن الديمقراطية لأنه عايش حربا أهلية تواصلت 7 سنوات بين عامي 1992 و1999 وأدت لمقتل مالا يقل عن 200 ألف شخص، وعن دمار واسع ".
واضاف المتحدث للأناضول "حتى بعد تراجع حدة العنف والارهاب مع قدوم الرئيس يوتفليقة في عام 1999، تتواصل المعركة بين الجيش الجزائري والجماعات الإرهابية، وهو ما يشكل هاجسا أمنيا للشعب ككل يجعله أكثر تمسكا بالأمن والاستقرار".
وقال الدكتور محمد تيطواني المختص في علم الاجتماع من جامعة أدرار جنوب الجزائر "اي سياسي ذكي يمكنه أن يستشعر تمسك الشعب الجزائري بالأمن والاستقرار، ولهذا يجد نفسه مضطرا لاستعمال الأمن والاستقرار في اي حملة انتخابية يخوضها وهذا أمر عادي وطبيعي ومعروف لدى كل الشعوب التي مرت بمراحل صعبة وحروب اهلية" .
وأضاف المتحدث للأناضول "لقد بات التمسك بالاستقرار والأمن والوقوف خلف الجيش الوطني الشعبي الجزائري في مواجهته مع الإرهاب أحد الثوابت لدى الشعب الجزائري، و يمكننا التأكد من هذا بعملية متبعة بسيطة لما ينشره الجزائريون عبر شبكات التواصل الاجتماعي من اعجاب ، وتأييد للقوات المسلحة بعد كل عملية لمكافحة الإرهاب، إن هذا يعد دليلا قاطعا على أن موضوع الامن والاستقرار يأتي ضمن أهم الأولويات بالنسبة للشعب الجزائري ككل وهذا ما يدفع السياسيين للتركيز على الموضوع".
وبينما تواصل وزارة الداخلية الجزائرية حملة بدأتها قبل اسابيع لإقناع الجزائريين بالمشاركة بقوة في الانتخابات التشريعية ، قررت أحزاب مثل حزب جيل جديد (علماني) وحزب طلائع الحريات والذي يقوده رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس الامتناع عن المشاركة .
وشن ناشطون عبر شبكة التواصل الاجتماعي حملة تدعوا لعدم التوجه لمراكز الاقتراع يوم 4 مايو/ أيار القادم بسبب الوضع الاقتصادي الصعب ، وما يعتبره اصحاب الدعوات عدم كفاءة البرلمان المنتهية عهدته .
وفي خضم الحملة الانتخابية الحالية تأتي تصريحات زعماء الأحزاب المقربة من السلطة وبعض المسؤولين ضد دعاة المقاطعة كما تصر احزاب السلطة على اتهام بعض المعارضين والمقاطعين بمحاولة جر الجزائر إلى مرحلة الحرب الأهلية، وتثمن أحزاب أخرى دور الجيش الجزائري في حفظ الأمن والاستقرار ، وتؤكد على أن الأمن والاستقرار في الجزائر خط أحمر ، وأن الشعب غير مستعد للعودة إلى سنوات التسعينات أو مرحلة الاقتتال الداخلي بين المتشددين الاسلاميين والجيش .
وقد تحولت الحملة الانتخابية الجارية حاليا في الجزائر من استعراض برامج أحزاب سياسية ترغب في الحصول على مقاعد في البرلمان، إلى مطالبة المواطنين بالمشاركة بقوة في الانتخابات التشريعية وعدم المقاطعة ، على اساس أن المقاطعة قد تعيد الجزائر إلى مرحلة الحرب الأهلية.
وانخرطت احزاب معارضة في هذه الحملة منها حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي قال العيد خذيري أحد قيادييه في محافظة وهران في لقاء له بمدينة وهران يوم 16 ابريل/ نيسان "إن المقاطعة لن تخدم سوى دعاة التخريب والذين يرغبون في جر البلاد إلى الفوضى ".
ويعبر كلام هذا السياسي المعارض حسب الصحفي الجزائري من وهران حاج علال محمد "يعبر عن توافق عام في الجزائر حول موضوع الحفاظ على الأمن والاستقرار".
ويقول هنا الدكتور منوز عباس أستاذ علم الإجتماع في جامعة وهران غرب العاصمة الجزائرية "لا يمكننا فصل الخطاب السياسي الذي يستذكر الحزب الأهلية في الجزائر عن الصدمات التي أحدثتنها هذه الحرب في نفوس الجزائريين والتي بقيت آثارها إلى اليوم ".
ويضيف المتحدث للاناضول "ربما يحاول سياسيون الاستثمار في حالة الخوف من عودة الحرب الأهلية التي تسيطر على نفسية الشعب الجزائري، لكنني أعتقد أن حالة الخوف هذه تمكنت من الشعب كله بطبقاته المثقفة وسياسييه وحتى رجل الشارع " .
ويقول هنا الدكتور جبرون مختار المختص في العلوم السياسية من جامعة باتنة شرق العاصمة الجزائرية "من الطبيعي أن تستذكر الطبقة السياسية في الجزائر الحرب الأهلية ، وتعيد تذكير الشعب بأهوالها من أجل الحفاظ على حالة الأمن والاستقرار التي ينعم بها الشعب اليوم ، وهذا أمر طبيعي في كل الدول التي مرت بمثل هذه الظروف " .
واضاف المتحدث للأناضول " في بعض الحالات يستغل سياسيون حالة الخوف من عودة الحرب الأهلية لدى الشعب من أجل استثمارها للحصول على مكاسب انتخابية ، وهذا دليل على أن هؤلاء قد فهموا جيدا نفسية الشعب وتعلقه بالأمن والاستقرار ".
news_share_descriptionsubscription_contact
