غزة / رمزي محمود / الأناضول
- تتفاقم أزمة المواصلات في قطاع غزة لتتحول إلى كابوس يطارد 2 مليون فلسطيني
- الأزمة طالت جميع فئات المجتمع وحالت دون تلبية احتياجاتهم خاصة الطلاب والمرضى
في شوارع قطاع غزة المدمرة، تتفاقم أزمة المواصلات لتتحول من معاناة يومية إلى كابوس يطارد أكثر من مليوني فلسطيني يواجهون أوضاعاً مأساوية في مختلف جوانب الحياة جراء الإبادة التي ترتكبها إسرائيل.
ووسط حصار إسرائيلي خانق يمنع إدخال المركبات وقطع غيارها، وفي ظل نقص حاد في الوقود والزيوت المعدنية، تتعالى تحذيرات من انهيار كامل لمنظومة النقل في القطاع.
ويشهد قطاع النقل والمواصلات في غزة أزمات مركبة، نتيجة الدمار الواسع الذي خلفه القصف الإسرائيلي خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، ما أدى إلى تضرر أعداد كبيرة من المركبات وتهالك ما تبقى منها.
ووفق معطيات للمكتب الإعلامي الحكومي بغزة، نشرها في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، فإن حرب الإبادة كبدت قطاع النقل والمواصلات خسائر تقدر بنحو 2.8 مليار دولار.
كما تفاقمت الأزمة مع منع إسرائيل إدخال مركبات جديدة وقطع الغيار والزيوت المعدنية، إلى جانب الشح الحاد في الوقود وارتفاع أسعاره بشكل كبير، فضلا عن أزمة السيولة النقدية وانقطاع الفكة، بسبب حظر إدخال الأموال إلى القطاع منذ أكتوبر 2023.
في مخيم النصيرات وسط القطاع، يضطر الشاب كمال لافي للوقوف مدة طويلة تحت الشمس، بانتظار مركبة تقلّه إلى مكان دراسته في مدينة دير البلح.
يقول لافي للأناضول، إن معاناته تتكرر يومياً وتتفاقم باستمرار، في ظل انعدام الأفق لحلها، مشيرا إلى أنه يضطر في كثير من الأحيان إلى الخروج مبكرا والسير على الأقدام لمسافات طويلة.
ويصف الشاب العشريني معاناة التنقل اليومية بأنها "رحلة بائسة"، بسبب أزمة المواصلات وشح السيولة النقدية في آن واحد.
ويلفت إلى أن تهالك المركبات وغياب قطع الغيار دفعا عددا من السائقين للاعتماد على وسائل غير آمنة، مثل العربات المجرورة المسماة محليا بـ "العَجَلاة"، لنقل أعداد أكبر من الركاب، في ظل غياب معايير السلامة.
وعلى مدار أكثر من عامين، تسببت العربات المجرورة بعدد من الحوادث المرورية وسقوط الركاب من على متنها، ما أدى لوقوع إصابات عديدة، بحسب مصدر حكومي للأناضول فضل عدم الكشف عن هويته.
وفي ركن تحميل الركاب داخل موقف السيارات، ينتظر السائق أحمد أبو الجديان اكتمال عدد الركاب في سيارته القديمة المتهالكة، تحت وطأة الاستخدام المتواصل وغياب الصيانة.
يقول أبو الجديان إن "الظروف الراهنة فرضت أزمات مركبة على قطاع المواصلات، أساسها عدم توفر الوقود والزيوت وقطع الغيار، وفي حال توفرها تكون بأسعار باهظة جدا، ما يثقل كاهل السائق والمواطن معا".
ويضيف أن سعر لتر السولار في حال توفره ارتفع من نحو دولار ونصف قبل الحرب إلى قرابة 12 دولارا حاليا، "فضلا عن رداءة الوقود وعدم مطابقته للمواصفات"، وفق قوله.
ولا تقتصر الأزمة على الوقود، إذ يؤكد أبو الجديان أن قطع الغيار شبه مفقودة تماما بسبب الحصار الإسرائيلي، بينما تُباع البدائل المصنعة محليا "بجودة ضعيفة وأسعار خيالية".
ويتابع بأسى: "الوضع كارثي جدا ولا يوصف (..) فالعائد لا يستحق عناء العمل".
ومع تفاقم أزمة النقد، يجد السائقون أنفسهم أمام معاناة إضافية، إذ يعتمد كثير من الركاب على التحويلات البنكية عبر التطبيقات الإلكترونية في دفع أجرة التنقل.
يوضح أبو الجديان أن السائقين يضطرون للتوقف قرب أماكن يتوفر فيها الإنترنت، "سواء في المفترقات أو أمام المحال التجارية"، حتى يتمكن الركاب من إتمام عمليات الدفع، ما يعرقل حركة السير ويؤخر أعمالهم.
ومنذ بدء الإبادة، تمنع إسرائيل إدخال النقد إلى القطاع، ما تسبب بأزمة كبيرة؛ نظراً لاهتراء الأوراق النقدية المتداولة وشح القطع النقدية المعدنية.
وفي أحد محال بيع زيوت المركبات بمدينة غزة، يقف أبو فهمي الغريز أمام رفوف شبه فارغة، بعدما أصبحت الزيوت سلعة نادرة بفعل منع إدخالها منذ شهور.
الغريز: "نعاني من أزمة حقيقية في الزيوت المعدنية للمركبات والمولدات، حيث يمنع الاحتلال الإسرائيلي دخولها منذ فترة طويلة، ما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعارها".
ويضيف أن سعر لتر زيت المركبات لم يكن يتجاوز 3 دولارات قبل الحرب، لكنه بات اليوم يتخطى 500 دولار "في حال توفره"، مشيراً إلى أن الأنواع التي تتوفر أحيانا غير نقية بالشكل المطلوب.
ويحذر الغريز من أن استمرار الأزمة يهدد بتوقف خدمات المواصلات، مشيرا إلى أن "شللا حتميا" مرتقبا سيشهده قطاع النقل المتهالك.
من جهته، يقول إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، إن قطاع النقل والمواصلات يعيش "واحدة من أسوأ الأزمات المركبة منذ بداية حرب الإبادة والحصار".
ويضيف للأناضول أن إسرائيل تواصل "استهداف البنية التحتية، ومنع إدخال الوقود والزيوت وقطع الغيار والإطارات والبطاريات"، إلى جانب تعقيدات أزمة السيولة النقدية والتحويلات البنكية، ما أدى إلى "شلل واسع".
ووفق الثوابتة، فإن الأزمة انعكست بصورة مباشرة على مختلف مناحي الحياة، في وقت تراجعت فيه أعداد المركبات العاملة بشكل حاد بعد تدمير عشرات آلاف المركبات منذ بدء الحرب.
ويتابع: "لا يوجد أفق حقيقي لإنهاء هذه الأزمة أو التخفيف من آثارها طالما استمر إغلاق المعابر ومنع إدخال الوقود ومستلزمات الصيانة".
ويشير إلى أن الأزمة دفعت كثيراً من المرضى والطلبة والموظفين إلى السير لمسافات طويلة أو الامتناع عن التنقل بسبب غياب وسائل النقل وارتفاع أجورها.
كما أثرت الأزمة على حركة الأسواق وسلاسل التوريد ونقل المساعدات الإنسانية، فضلا عن تفاقم الضغوط النفسية والاجتماعية على السكان.
ويؤكد الثوابتة أن الأزمة "ليست فنية أو اقتصادية طبيعية، وإنما نتيجة مباشرة لسياسات الحصار والعقاب الجماعي".
ودعا المجتمع الدولي للضغط من أجل فتح المعابر وضمان إدخال الوقود وقطع الغيار والزيوت والمركبات اللازمة لإعادة تشغيل قطاع النقل المنهار.
ولم تشهد الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تحسنا، رغم اتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر 2025، بسبب تنصل إسرائيل من التزامات الاتفاق بما فيها فتح المعابر.
وفي 22 مايو/ أيار الجاري أفاد المكتب الحكومي بأن عدد الشاحنات الواردة إلى القطاع في الفترة بين 15 و21 مايو، بلغ ألف و287 شاحنة فقط بينهم 28 شاحنة سولار مخصصة للمؤسسات، من أصل 4 آلاف و200 شاحنة كان يفترض دخولها، بنسبة التزام لا تتجاوز 30 بالمئة.
وينص اتفاق وقف إطلاق النار الهش، على إدخال 600 شاحنة مساعدات وبضائع يوميا إلى القطاع، إضافة إلى 50 شاحنة وقود تشمل السولار والبنزين وغاز الطهي، وفق معطيات رسمية.
وأفاد بيان للمكتب الحكومي نهاية أبريل/ نيسان بأنه تم تسجيل تراجع حاد في قطاع الوقود خلال ذات شهر، حيث دخلت 187 شاحنة وقود فقط من أصل 1500 شاحنة منصوص عليها، بنسبة التزام لم تتجاوز 12 بالمئة.
وجرى التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار من حرب إبادة بدأتها إسرائيل في 8 أكتوبر 2023، واستمرت لاحقا بأشكال متعددة، وخلفت أكثر من 72 ألف قتيل فلسطيني وما يزيد على 172 ألف جريح، ودمارا واسعا طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية.
news_share_descriptionsubscription_contact
