رام الله/ قيس أبو سمرة/ الأناضول
** رئيس بلدية قصرة جنوبي نابلس، عبد العظيم الوادي، بحديث للأناضول:
- قصرة تتعرض لاعتداءات منذ العام 2011، بينها مقتل عدد من أبنائها وحرق مساجد ومنازل وممتلكات
- البلدة صمدت بمواجهة محاولات التوسع الاستيطاني في 2012 و2013 و2014، لكنها دفعت فاتورة بالدم
- أراضي قصرة مهددة، وما يجري لا يقتصر على العائلات المحاصرة إنما يرتبط بمستقبل وجود الفلسطينيين
- التصعيد الحالي يأتي ضمن تحوّل أوسع في نمط الاستيطان بالضفة الغربية، ولا سيما "الاستيطان الرعوي"
لليوم الحادي عشر، تعيش 3 عائلات فلسطينية في منطقة جبل رأس العين ببلدة قصرة، شمالي الضفة الغربية المحتلة، تحت حصار مستوطنين إسرائيليين، في أحدث الاعتداءات التي تستهدف وجود المواطنين وأراضيهم منذ سنوات.
ومنذ 9 أغسطس/ آب الجاري، يحاصر مستوطنون، تحت حماية الجيش الإسرائيلي، 3 منازل تضم نحو 13 فلسطينيا في البلدة الواقعة جنوبي محافظة نابلس، ويعرقلون وصول الاحتياجات الأساسية إليها.
وفي حديثه للأناضول، يروي رئيس بلدية قصرة عبد العظيم الوادي كيف "تتعرض قصرة لاعتداءات كبيرة منذ عام 2011"، مستذكرا سلسلة الهجمات التي شهدتها، بينها مقتل عدد من أبنائها وحرق مساجد ومنازل وممتلكات.
ويؤكد أن هذه الاعتداءات تهدف إلى التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الموقع لأهميته الاستراتيجية.
موقع استراتيجي
يشير الوادي إلى حرق مسجد النورين عام 2011، ومسجد الرحمة خلال الأشهر الماضية، وإحراق 47 منزلا عام 2024، إضافة إلى مقتل عدد من أبناء البلدة في هجمات مختلفة.
ويضيف أن البلدة واجهت محاولات متكررة من المستوطنين للتوسع في أراضيها خلال الأعوام 2012 و2013 و2014، ويقول إن قصرة "كانت صامدة، لكنها دفعت فاتورة كبيرة بالدم من أبنائها الشهداء".
ويرى أن أهمية ما يجري حاليا في جبل رأس العين ترتبط بالموقع الجغرافي للمنطقة، وليس بالمنازل الثلاثة وحدها.
ويقع الجبل على ارتفاع نحو 930 مترا فوق سطح البحر، في منطقة مصنفة "ب" بموجب اتفاقيات أوسلو، ويقول الوادي إن الموقع المرتفع يمنح المنطقة أهمية استراتيجية.
ويقول: "لدى وقوفنا على هذا الجبل، بإمكاننا أن نرى منه البحر المتوسط والأردن".
تواطؤ الجيش
يضيف الوادي أن عائلات يوسف عبد السلام، ورزق عبد السلام، وقصي أبو ريدة، تعيش منذ 9 أغسطس/ آب تحت الحصار، مع فصلها عن البلدة وعرقلة وصول الغذاء والدواء والمياه إليها.
ولاحقا، شرع الجيش الإسرائيلي في عملية عسكرية في قصرة كان يُفترض أن تنتهي صباح الأحد، لكنه مددها حتى مساء الثلاثاء، بحسب الوادي.
ويوضح رئيس البلدية أن الفلسطينيين في البلدة كانوا يتوقعون أن يؤدي دخول الجيش إلى طرد المستوطنين وفك الحصار، لكن الجيش استولى على أحد المنازل وحوّله إلى "ثكنة عسكرية".
ويتهم الوادي الجيش الإسرائيلي بالشراكة مع المستوطنين في الاعتداء على البلدة، قائلا: "لو أراد الجيش لاعتقل أو طرد المستوطنين، ولكنه شريك في العملية".
تحوّل إلى الاستيطان الرعوي
يقول الوادي إن أراضي قصرة مهددة، وإن ما يجري لا يقتصر على العائلات الثلاث المحاصرة، وإنما يرتبط بمستقبل وجود الفلسطينيين في المنطقة.
ويضع الوادي التصعيد الحالي ضمن تحوّل أوسع في نمط الاستيطان بالضفة الغربية، ولا سيما ما يسميه "الاستيطان الرعوي".
ويقول إن الفلسطينيين باتوا يشاهدون الخيام والبيوت الجاهزة تنتشر في مناطق مختلفة من الريف الفلسطيني، معتبرا أن "الاستيطان الرعوي اليوم يمتد أخطر من البندقية".
ويشير إلى مناطق سنجل والمغير وترمسعيا وعقربا وقريوت والجالود وبورين، قائلا إن هناك "تطورا في أداء وعنف المستوطنين".
ويضيف أن هذا النمط من الاستيطان يوسع نطاق السيطرة على الأرض، إذ تنتقل البؤر والخيام والكرفانات إلى مناطق كانت تُستخدم من قبل الفلسطينيين في الزراعة والرعي.
ويرى أن قصرة تمثل إحدى نقاط هذا التحول بسبب موقعها الجغرافي واتصال أراضيها بمناطق ريفية واسعة.
ويشير في هذا السياق إلى أن البلدة شهدت خلال السنوات الماضية اعتداءات متكررة، لكنها تواجه اليوم نمطا مختلفا يقوم على الانتشار التدريجي في الأرض بدل الاكتفاء بالهجمات المباشرة.
ويوضح أن الفلسطينيين، في المقابل، لا يملكون "برنامجا واضحا" لتعزيز صمودهم ورفع جاهزية الريف الفلسطيني ليكون جاهزا لهذه الاعتداءات لحظة بلحظة.
وأنهى رئيس البلدية حديثه بالقول: "قصرة لا تواجه حادثة منفردة، وإنما تحولا في نمط الاستيطان والاعتداءات يستهدف الأرض والوجود الفلسطيني معا".
حصار للحياة والاقتصاد
ومن موقع قريب من المنازل المحاصرة، يقدّم الفلسطيني عبد الحكيم الوادي صورة أكثر تفصيلا عن الحياة اليومية للعائلات على امتداد 11 يوما من الحصار.
ويقول للأناضول إن "ثلاثة منازل محاصرة من قبل المستوطنين الصهاينة، تحت عين جنود الاحتلال".
ويوضح أن الجيش الإسرائيلي اتخذ منزل يوسف حسن ثكنة له، ونقل العائلات إلى منزل شقيقه رزق.
ويكشف أن المستوطنين يواصلون التحرك حول المنازل "بواسطة الجرارات وسيرا على الأقدام".
لكن تداعيات الحصار، وفق عبد الحكيم، تجاوزت المنازل الثلاثة إلى النشاط الاقتصادي في المنطقة.
ويقول إن الجيش الإسرائيلي أبلغ مصنعا يقع أسفل المنازل، على الطريق المؤدي من قصرة إلى قرية تلفيت، بإغلاقه حتى إشعار آخر بدعوى أن "المنطقة عسكرية"، موضحا أن المصنع يشغّل 15 عاملا يعيلون 10 أسر.
وتعكس هذه الواقعة، بحسب روايته، اتساع نطاق التأثير في الحياة اليومية للمواطنين، من المنازل والمياه والكهرباء إلى أماكن العمل والنشاط الاقتصادي.
صراع للسيطرة على الأرض
تأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد فيه اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، بحماية الجيش الإسرائيلي.
وقالت الأمم المتحدة إنها وثقت منذ مطلع 2026 أكثر من 1430 اعتداء استهدف نحو 260 تجمعا فلسطينيا، فيما أسهمت اعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم والإخلاء في تهجير نحو 3 آلاف و800 فلسطيني، قرابة نصفهم أطفال.
وتشمل الاعتداءات، وفق تقارير أممية، قتل وإصابة فلسطينيين، وتخريب وهدم منازل ومنشآت، وإحراق مركبات وممتلكات، وتجريف أراض زراعية، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم.
وفي قصرة، يقول المواطنون إن الاعتداءات باتت تتقاطع مع إقامة بؤر استيطانية جديدة وتوسع الاستيطان الرعوي، ما يجعل الصراع أكثر ارتباطا بالسيطرة على الأرض.
وتشير منظمة "بتسيلم" إلى إقامة بؤرة استيطانية جديدة في يناير/ كانون الثاني 2026 قرب قصرة وجالود وتلفيت، وتقول إن الاعتداءات على الفلسطينيين في المنطقة تصاعدت بعد إقامة البؤرة.
وتحتل إسرائيل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية المحتلة، منذ عام 1967، فيما يعتبر المجتمع الدولي المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي.
ويحذر الفلسطينيون من أن استمرار الاستيطان والاعتداءات وفرض القيود يمهد لضم فعلي للضفة الغربية ويقوض إمكانية إقامة دولة فلسطين المستقلة.