دمشق / عمر قوباران / الأناضول
الكاتب الشركسي عدنان قبرطاي للأناضول:
يسعى الكاتب الشركسي السوري عدنان قبرطاي لتوثيق فصول معاناة طويلة عاشها الشركس منذ التهجير الجماعي من القوقاز عام 1864، مرورا بالحروب والنزوح المتكرر، وصولًا إلى "معركة الحفاظ على الهوية واللغة" داخل الشتات الممتد عبر عشرات الدول.
ويقول قبرطاي المولود في مدينة القنيطرة جنوب غربي سوريا، إن حياة الشركس خلال القرنين الماضيين لم تتوقف عند مأساة التهجير الأولى، بل تواصلت عبر موجات متعاقبة من الحروب والاقتلاع القسري.
وفي حديثه للأناضول، يستعيد قبرطاي ذكرياته في الجولان السوري المحتل من جانب إسرائيل، حيث أمضى طفولته وشبابه قبل أن تتغير حياته بالكامل مع حرب يونيو/ حزيران 1967.
ويقول إن إسرائيل "شنت هجومها على سوريا صباح اليوم التالي مباشرة لتقديمه امتحانات الثانوية العامة" في ذلك العام.
وأضاف: "رأينا القصف والدمار والنزوح بأعيننا، القرى والمدن كانت تُقصف، والمطارات العسكرية استُهدفت، واضطررنا إلى مغادرة الجولان والنزوح باتجاه دمشق".
واحتلت إسرائيل مرتفعات الجولان خلال حرب الأيام الستة في 1967، ما أسفر عن تهجير نحو 131 ألف مواطن سوري.
وبعد انتقاله إلى العاصمة السورية، أعاد قبرطاي تقديم امتحاناته بعد عام، قبل أن يلتحق بالكلية الجوية ويتخرج فيها بمدينة حلب شمالي البلاد، حيث خدم في عدة قواعد عسكرية حتى 1998.
ويشير إلى أنه تلقى تدريبات على طائرات متنوعة، إلا أنه أُحيل إلى التقاعد بعد سنوات طويلة من الخدمة دون ترقيات خلال فترة حكم الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد.

ويوضح قبرطاي أن التقاعد شكّل نقطة تحول في حياته، إذ تفرغ بعدها للبحث والتوثيق التاريخي، وركز بصورة خاصة على تاريخ الشركس والجولان السوري المحتل.
ويقول: "كتبت حتى اليوم نحو 70 كتابا تناولت فيها التهجير الشركسي، وحرب أبخازيا، والشركس في البلقان، والجولان المحتل، وسياسات التوطين العثمانية".
ويرى أن مأساة الشركس الحديثة "بدأت مع الحرب الطويلة التي خاضها الروس ضد شعوب شمال القوقاز"، موضحًا أن العلاقة بين الطرفين "لم تكن عدائية في البداية، لكنها تحولت لاحقًا إلى صراع مفتوح مع توسع الإمبراطورية الروسية في المنطقة".

ويضيف أن عدد الشركس آنذاك "كان يناهز 4 ملايين نسمة، مقابل نحو 15 مليونا لروسيا"، مشيرًا إلى أن الحرب "استمرت 153 عاما وانتهت بعمليات تهجير جماعي ومجازر واسعة".
ويذكر أن "نحو مليوني شركسي قتلوا خلال تلك المرحلة، فيما أُجبر قرابة مليوني شخص آخرين على مغادرة أراضيهم نحو الدولة العثمانية".

ويصف قبرطاي مشاهد التهجير بأنها "كارثة إنسانية هائلة"، مبينا أن "عشرات الآلاف جُمعوا على سواحل البحر الأسود وسط الجوع والبرد والأوبئة بانتظار نقلهم إلى أراضي الدولة العثمانية".
ويشير إلى أن "عمليات النقل تمت عبر سفن عثمانية وروسية وبريطانية ونمساوية"، وأن "عددا كبيرا من تلك السفن غرق خلال الرحلات، ما أدى إلى مقتل آلاف الشركس في البحر الأسود".
ويضيف أن "بعض العائلات الشركسية امتنعت لسنوات طويلة عن تناول أسماك البحر الأسود بسبب ارتباطها النفسي بمشاهد الغرق والموت الجماعي".
كما لفت إلى أن الدولة العثمانية "واجهت آنذاك موجة لجوء ضخمة فاقت قدراتها، ما تسبب بانتشار الفقر والمجاعة في بعض مناطق الاستقبال".
ويوضح أن الشركس "توزعوا لاحقًا بين البلقان والأناضول وبلاد الشام، وأسّسوا تجمعات سكانية في حلب وحمص وحماة ودمشق ودرعا والجولان في سوريا، وفلسطين والأردن".
ويشير إلى أن الشركس "أدوا دورا بارزا في نشأة العاصمة الأردنية عمّان، من خلال نشاطهم في الزراعة وتربية المواشي والمساهمة في التحول العمراني للمنطقة".

ويلفت قبرطاي إلى أن "احتلال إسرائيل لمرتفعات الجولان عام 1967 شكّل موجة تهجير ثانية للشركس في سوريا"، مشيرًا إلى أن مدينة القنيطرة "تعرضت لقصف مكثف تسبب في نزوح معظم سكانها".
ويقول إن حالة من الذعر "سادت بعد إعلان سقوط المدينة حتى قبل دخول القوات الإسرائيلية إليها"، مضيفًا أن كثيرين غادروا المنطقة خوفًا من توسع المعارك.
ويتهم قبرطاي إسرائيل "بتدمير القرى والأراضي الزراعية في الجولان"، مؤكدًا أن القنيطرة "تعرضت لدمار واسع النطاق".
ويضيف أن الحرب السورية التي اندلعت عام 2011 تسببت بدورها في موجة نزوح جديدة دفعت أعدادًا من الشركس إلى الهجرة نحو تركيا وأوروبا والولايات المتحدة ودول أخرى، موضحًا أن "الشتات الشركسي بات اليوم موزعًا على نحو 50 دولة".

ويحذر قبرطاي من "تراجع استخدام اللغة الشركسية داخل سوريا"، مؤكدا أن "الأجيال الشابة باتت تعتمد بصورة شبه كاملة على اللغة العربية".
ويقول إن "اللغة الشركسية اليوم ما تزال حاضرة بشكل أكبر لدى كبار السن، لكن غياب التعليم المنهجي يهددها بالاندثار".
ويتابع أن الحديث عن التهجير الشركسي والمجازر المرتبطة به "كان لفترات طويلة موضوعًا حساسًا سياسيًا، ولم يكن من السهل تناوله علنًا".
ويشير إلى أن "أعداد الشركس في شمال القوقاز أصبحت محدودة مقارنة بالملايين المنتشرين اليوم في تركيا والأردن وسوريا وفلسطين ومصر ودول أخرى".
وتحدث أيضا عن "يوم الحداد الشركسي" الذي يجري إحياؤه في 21 مايو/ أيار سنويا، موضحًا أن هذا التاريخ يرمز إلى "إعلان روسيا انتصارها على الشركس عام 1864 وبداية موجات التهجير الكبرى".

ويقول إن الشركس في سوريا أحيوا هذه المناسبة العام الماضي للمرة الأولى علنا في ساحة الأمويين بدمشق، حيث رُفعت الأعلام الشركسية وأُلقيت كلمات تناولت ذاكرة الجماعية للشركس ومعاناتهم الممتدة عبر الأجيال.
وفي 21 مايو 1864، بعد انتصار روسيا القيصرية على شعوب القوقاز في وادي "كبادا" قرب مدينة سوتشي المطلة على البحر الأسود، كان هذا التاريخ بمثابة "بداية النهاية" للشركس، وشعوب شمال القوقاز المسلمة.
اتبعت روسيا القيصرية سياسة التغيير الديموغرافي، فهجّرت 1.5 مليون شركسي من مدن سوتشي وتوابسي وسخومي الساحلية، إلى مناطق سيطرة الدولة العثمانية، وعلى رأسها مدينة فارنا (بلغارية حاليا) وصامصون وسينوب وطرابزون (ولايات في شمال تركيا مطلة على البحر الأسود).
وقضى خلال عمليات التهجير بحسب أرقام غير رسمية بين 400-500 ألف شخص بسبب الأوبئة والجوع، ونُفي معظم الشركس إلى منطقة الأناضول والأجزاء الأوروبية الخاضعة لسيطرة العثمانيين، ثم هاجر قسم منهم من تلك المناطق إلى سوريا والأردن.
news_share_descriptionsubscription_contact
