Laith Al-jnaidi, Nebieha Altaha
20 سبتمبر 2026•تحديث: 20 سبتمبر 2026
حمص، إسطنبول/ نبيهة الطه وليث الجنيدي/ الأناضول
عبد الله علوان:
- المكتبة غالية عليّ، وهي رصيد وكنز عندي
- وجدت ما أحببت أن أحافظ عليه، وقد حفظه الله لي
- كان هناك كبت وظلم، وكنا دائما تحت المراقبة
- إن شاء الله، يظل الشباب ينتفعون بها، وتنتفع بها الأمة
بعد مرور سنين على إخفاء مكتبته خلف جدار في منزله بمدينة حمص، خشية عليها من ظلم نظام الأسد، استعاد السوري عبد الله مصطفى خالد علوان مكتبته التي وجدها سليمة بعد عودته رغم احتراق المنزل.
مشهد علوان (72 عاما)، المعروف بـ"أبو بلال"، وهو يستعيد كتبه انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي عبر مقطع مصور، وروى الرجل للأناضول حكاية الكتب التي نجت بعد إخفائها وراء جدار.
لم يفتح علوان، المخبأ فور عودته إلى مدينة حمص، وسط سوريا، بعد سقوط النظام؛ فقد وجد الجدار سليما، لكنه أبقى الكتب خلفه حتى أصلح منزله وجهّز مكانا يعيدها إليه.
وفي المقطع، يزيل الرجل السبعيني أجزاء الجدار، فتظهر ألواح كرتون تحجب رفوفا متراصة من المجلدات.
وحين يزيحها، تتكشف المكتبة التي تركها يوم اضطر إلى الرحيل، دون أن يعرف ما إذا كان سيراها مجددا.
واليوم، يجلس بين كتبه، ويقول للأناضول إن سبب إخفائها كان "الخوف من ظلم النظام وإرهابه. المكتبة غالية عليّ، وهي رصيد وكنز عندي".
** لا يمكن التفريط بها
بدأت الحكاية مع مشاركة علوان في المظاهرات المناهضة للنظام عام 2011، ثم اتجاه الأوضاع أواخر ذلك العام نحو العمل المسلح، ومغادرة سكان حارته منازلهم، بحسب روايته.
وبينما كان يستعد للنزوح، شغله مصير المكتبة؛ فلم يكن قادرا على نقلها معه أو إيداعها لدى أحد، ولم يطمئن إلى تركها في منزل بات نشاط صاحبه معروفا.
ويقول علوان: "كانت المكتبة أغلى ما لديّ. لم أكن أرغب قط في التفريط فيها، ولا أستطيع ذلك مهما حدث".
وللمكتبة مكانة تتجاوز اقتناء الكتب؛ فهي مرجع له ولأبنائه الذين درسوا العلوم الشرعية، ومنهم ابنه الأكبر بلال، الحاصل على الدكتوراه في الحديث الشريف والسنة النبوية من الأزهر، وفق والده.
وتضم المكتبة تفاسير للقرآن ومجموعات حديث وسيرا للصحابة وكتبا في التاريخ الإسلامي وما قبل الإسلام، إلى جانب مؤلفات ثقافية واجتماعية، وإن كان معظمها مراجع شرعية.
ويربط علوان خوفه عليها بما عايشه من تضييق على ارتياد دروس العلم في المساجد في عهد النظام المخلوع، مستذكرا أخذ هويات الحاضرين عند أبواب المساجد ومراقبتهم، وفق قوله.
وأضاف: "كان هناك كبت وظلم، وكنا دائما تحت المراقبة".
ومع مشاركته في المظاهرات، خشي إحراق المنزل بما فيه، وقال: "إذا تركتها هنا، فسيحرقون المنزل ويحرقونها معه".
** جدار يخفي المكتبة
وفي شقة ابنه الواقعة فوق منزله مباشرة، وجد علوان مكانا يصلح لإخفاء الكتب. اختار جزءا من إحدى الغرف، ووضع فيه المكتبة، وغطاها بالكرتون لحمايتها من الرطوبة، ثم بنى أمامها جدارا، بمساعدة عدد من شباب الحي.
ولم يكتف بإغلاق المكان؛ فكسا الجدار وطلَاه حتى ينسجم مع الغرفة، وغيّر الحواف السفلية لجدران الغرفة كلها ولوّنها بالأسود، حتى لا تكشف تفاصيل البناء وجود المخبأ.
ويقول إن ذلك جرى في اللحظات الأخيرة قبل النزوح وإفراغ الحي، وإن المساحة لم تتسع لجميع الكتب، فبقي قسم منها في المنزل.
وحين انتهى من العمل، ترك المكتبة دون أن يعرف إن كان سيعود إليها، مستذكرا أنه قال آنذاك: "من بقي له عمر سيعود. إن لم نجدها فقد فعلنا ما علينا، والباقي على الله".
** بيت محترق
نزح علوان إلى ريف حمص الشمالي، وبقي هناك حتى عام 2018، ثم انتقل إلى الشمال السوري، فيما ظلت كتبه خلف الجدار طوال سنوات غيابه.
وعقب سقوط النظام المخلوع، عاد إلى حمص، وصلى في مسجد خالد بن الوليد، ثم توجه إلى منزله الذي وجده محروقا.
ويقول علوان إن قوات النظام المخلوع أحرقته بما بقي فيه من كتب وأثاث.
لكنه حين صعد إلى الشقة العلوية، وجد الجدار الذي أخفى خلفه المكتبة باقيا كما تركه.
ويعتقد أن الضرر في الشقة العلوية كان أقل لأن قوات النظام لم تكن تعرف أنها تعود إلى أسرته، إذ كان شراؤها حديثا قبل النزوح.
ومع فرحته ببقاء الجدار، لم يبادر إلى هدمه؛ فالمنزل المحروق يحتاج إلى إصلاح، وأبناؤه يقيمون في مساكن مستأجرة متفرقة، ولم يكن لديه مكان ينقل الكتب إليه.
أصلح الشقة العلوية وأقام فيها، وأبقى المكتبة في مخبئها إلى أن تمكن من تجهيز مكان لها.
ويقول إنه بدأ ترميم منزله قبل نحو أربعة أشهر من المقابلة، وأنهى الأعمال قبل نحو عشرين يوما منها، ثم شرع في نقل الأثاث وتجهيز الغرفة التي ستستقبل الكتب.
وكان سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 قد فتح باب العودة أمام لاجئين ونازحين سوريين، وجد بعضهم منازلهم مدمرة والخدمات متضررة في مناطقهم.
وأكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في بيان في 20 يونيو/ حزيران 2025، ضرورة دعم إعادة تأهيل المنازل والمدارس والبنية التحتية والخدمات الأساسية، لمساعدة العائدين على الاستقرار.
** الله حفظها
وبعد تجهيز المكان، بدأ علوان هدم الجدار الذي بناه قبل الرحيل، حتى ظهرت المكتبة خلفه.
ويستعيد لحظة العثور عليها قائلا: "بفضل الله وجدناها نظيفة.. ما أجملها!".
ويضيف: "وجدت ما أحببت أن أحافظ عليه، وقد حفظه الله لي".
وفي منزله، تمتد رفوف الكتب حوله، بينما يقلب صفحات أحد المجلدات، ويشير إلى مجموعات باتت متاحة للقراءة بعدما ظلت محجوبة طوال غيابه.
وبدأت المكتبة تستعيد دورها مرجعا للأسرة؛ إذ يقول علوان إن أحد أبنائه أخذ نحو 50 إلى 60 مجلدا ليستعين بها، ويأخذ المزيد كلما زاره.
وبعد سنوات انشغل خلالها بكيفية حماية كتبه، صار علوان يتطلع إلى من سينتفع بها، قائلا: "إن شاء الله، يظل هؤلاء الشباب ينتفعون بها، وتنتفع بها الأمة".