إسطنبول / الأناضول
دعا مشاركون في ندوة عُقدت بمدينة إسطنبول، السبت، إلى بناء استراتيجية توافقية شاملة في العالم الإسلامي، وإطلاق "حوارات إسطنبول" كمنتدى سنوي لتقييم مسارات التوافق، مع المطالبة بالإفراج عن رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي.
ونظم مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية، بالتعاون مع وقف خير الدين باشا، الندوة في جامعة "إسطنبول صباح الدين زعيم"، تحت عنوان: "في الذكرى الثالثة لاعتقال الشيخ راشد الغنوشي.. الأمة والسيادة: نحو استراتيجية توافقية شاملة".
وشارك في الندوة خبراء وباحثون ناقشوا قضايا السيادة في العالم الإسلامي، وثقافة الوفاق السياسي، وتوازنات القوى العالمية.
وأكدت التوصيات الختامية أن "الانقسام الداخلي والهشاشة الجيوسياسية في العالم الإسلامي وجهان لبنية واحدة"، معتبرة أن "التوافق في أفكار الغنوشي شرط وجودي لا خيار سياسي"، ويقوم على "القيم المشتركة، والمؤسسات الضامنة، والمشروع النهضوي الجامع".
وشددت التوصيات على أن "التوافق الحقيقي ليس إجماعا ولا استسلاما ولا محاصصة"، وأن شرطه الأساسي يتمثل في "الحرية والعدل".
وعلى الصعيد الفكري، أوصى المشاركون بـ"بناء أدبيات توافقية منهجية من داخل الموروث الإسلامي"، عبر توظيف "فقه الموازنات والشورى"، إلى جانب تأسيس "حوارات إسطنبول" كمنتدى سنوي يُعنى بتقييم مسار التوافق في العالم الإسلامي، مع استحداث جائزة فكرية باسم الغنوشي.
وفي الجانب السياسي، دعت التوصيات إلى اعتماد "ميثاق بستة ثوابت غير قابلة للتفاوض"، تشمل: "السيادة، والتعددية، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني، والتحرر من النفوذ الأجنبي"، مع وضع "آليات إجرائية ملزمة".
كما طالبت بـ"الإفراج الفوري عن الشيخ الغنوشي"، استنادا إلى "رأي الفريق العامل الأممي 63/2025 وقرار الاتحاد البرلماني الدولي 2026".
ودعت التوصيات إلى تأسيس "منصة فكرية دولية دائمة في إسطنبول" تُعنى بإنتاج أوراق السياسات ورعاية الوساطة، مع اشتراط ثلاثة عناصر في أي توافق مستدام: حماية دستورية للتعددية، ومجتمع مدني مستقل، ومعايير قياس دورية وشفافة.
وفي محور "الكتلة الحضارية"، دعا المشاركون إلى إطلاق حوار بين التيارات الكبرى انطلاقا من "السيادة والتعددية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد والحرية"، والعمل على "تجفيف بيئة النفوذ الأجنبي" عبر مسارات "الاستقلال التشريعي والاقتصادي والمعرفي".
كما شددت التوصيات على اعتبار "المقاومة موقفا حضاريا دائما لا حالة استثنائية"، مع "التمييز الأخلاقي والقانوني بين المقاومة المشروعة والعنف غير المبرر".
وأكدت الوثيقة الختامية أهمية بناء منظومة مؤسسية تشمل "التعليم لتشكيل الهوية وإنتاج النخب، والمرأة بوصفها فاعلا محوريا، والإعلام لإنتاج الرواية الذاتية، والاقتصاد لبناء شبكات تبادل إقليمية".
كما دعت إلى "إيلاء أولوية للثقافة باعتبارها حصنا للهوية"، وتعزيز "الحوار مع الغرب من موقع الندية"، إضافة إلى تطوير "الحوار الإسلامي-الإسلامي بمنهجية صحيفة المدينة".
وتُعرف "صحيفة المدينة" بأنها وثيقة أرست أسس أول عقد اجتماعي وسياسي في الدولة الإسلامية الناشئة بعد هجرة النبي محمد خاتم المرسلين إلى المدينة المنورة، ونظمت العلاقة بين مكونات المجتمع على مبادئ العدل والتعايش وحفظ الحقوق، وتُعد نموذجا مبكرا لإدارة التعددية وبناء التوافق.
وفي ما وصفته بـ"العقل الاستراتيجي"، أوصت الندوة بإنشاء مركز تفكير وتنسيق جامع يُعنى باستشراف التحولات الجيوسياسية وترجمتها إلى أجندات عمل، وتوحيد عناصر الفاعلية في الأمة ضمن هدف استراتيجي مشترك، وإنتاج خطاب الأمة دولي "من موقع المبادرة"، مع ترشيح إسطنبول لتكون حاضنة لهذا المشروع عبر "حوارات إسطنبول".
واختتمت التوصيات بالتأكيد على أن "الأمة التي لا تتقن الجلوس حول طاولتها الداخلية ستجد نفسها دائما طعاما على مائدة الآخرين"، معتبرة أن الوثيقة تمثل "دعوة للتحول من شهادة الأزمة إلى صناعة المخرج".
ومنذ فبراير/ شباط 2023، أوقفت السلطات عددا من السياسيين المعارضين والمحامين ونشطاء المجتمع المدني، ووجهت إليهم تهما بينها "محاولة المساس بالنظام العام وتقويض أمن الدولة"، و"التخابر مع جهات أجنبية"، و"التحريض على الفوضى أو العصيان"، إضافة إلى "تبييض الأموال"، بينما ينفي محامو المتهمين صحة هذه الاتهامات.
ومن أبرز المشمولين بالمتابعات القضائية رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، ورئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي، والقيادي في حركة النهضة البحيري، ووزير الديوان الرئاسي الأسبق رضا بلحاج، وأمين عام الحزب الجمهوري عصام الشابي، والوزير الأسبق غازي الشواشي.
وبينما تؤكد السلطات أنها تحترم استقلال القضاء وأن الإجراءات المتخذة تتم وفق القانون دون تدخل سياسي، ترى قوى معارضة أن الحكومة تنظم "محاكمات سياسية" بحق معارضين ومحامين وقضاة وناشطين.