اسطنبول/ هشام شعباني/ الأناضول
إن من يتابع مقالاتي يتذكر أنّي كتبت ما يزيد عن مئتي مقالة، تخص سياسات تركيا حيال الملف السوري، وسعيت من خلال تلك المقالات إلى إجراء تحليل هادئ للواقع العالمي والإقليمي، وتبيان موقع تركيا الجديد على خارطة التحولات الجارية.
لا شك، أن الجميع يمتلك حق إنتقاد سياسات الحكومة وتحركاتها، بل وسياسات الدولة برمتها أيضاً، كما أن الباحثين في أرشيف مقالاتي، سيلحظون حجم الانتقادات التي سبق أن وجهتها في العديد من تلك المقالات.
لكنني أود التذكير في هذا الصدد، أن تركيا اتخذت أكثر المواقف منطقيةً بين دول المنطقة كافة، حيال الربيع العربي، إذ لم يدخر كبار المسؤولين جهداً في حض نظام دمشق، من أجل إتخاذ جملة تحركات إصلاحيّة فوريّة، إلا أن نظام الأسد الذي صم أذنيه عن كل تلك النداءات التركية والإقليمية والدولية، أوصل بلاده والمنطقة إلى ما هو معلوم من قبل الجميع.
***
إن الذين يتهمون الفريق الحاكم في تركيا، وعلى رأسهم رئيس الوزراء "رجب طيب أردوغان" ووزير خارجيته "أحمد داوود أوغلو"، بعدم الدراية بأحوال سوريا، يظلمون ذلك الفريق، المتابع لأدق التفاصيل والتطورات الجارية في بلدان العالم الإسلامي منذ ستينيات القرن الماضي وحتى الساعة.
نقل التلفزيون التركي "TRT" يوم الاثنين الماضي، تقريراً مفصلاً لصورٍ توثّق جرائم حربٍ وأعمال تعذيبٍ ارتكبتها قوات الأسد، بحق السوريين، أدمى قلوب المشاهدين. لكن المؤسف، أن البعض يصرّ على عدم رؤية تلك الصور ضاربين الأقفال على ضمائرهم التي ترزح تحت نوم عميق.
إن العامل الوحيد الذي ثبّت عزائما وساهم في تدعيم رباطة جأشنا، عند رؤيتنا تلك الفظائع المرتكبة على يد قوات الأسد، هو أن تركيا وقفت بكل ما أوتيت من عزم إلى جانب المظلومين في سوريا. لذا فإن تركيا تمتلك القوة والجرأة دائماً، لدعوة الضمير الإنساني للاستيقاظ من سباته.
لا نستبعد أن الصور والوثائق التي أظهرت مدى الانتهاكات المرتكبة في سوريا، سيكون لها دورٌ في تبديل الوضع الراهن. وأقول للدول والقوى التي ما فتئت تدافع عن نظام الأسد، كيف تدافعون عن نظام الأسد وتشدون أزره، وهو يرتكب كل تلك الفظاعات والجرائم الإنسانية؟
***
إن الذين يبنون مقاربات من أجل إظهار تركيا على أنها بلد معزول في الساحة الدولية، وأنها تنتهج سياسات ارتجالية، بغية طرح مقالات مثيرة، تبدو للوهلة الأولى على أنها أطروحات لأحداث استخلصت بعد دراسات عميقة، مخطئون كثيراً في ذلك النهج الذي يتبعونه.
تركيا ليست معزولة ولا وحيدة في توجهاتها، بالرغم من كل سياساتها التي قلبت التوازنات رأساً على عقب، وستخرج من "مؤتمر جنيف 2"، أكثر قوة، وتحالفها أكثر متانة وتوازناً، كما أن أقطاب الحملة الداخلية والخارجية، التي تهدف إلى عزل "أردوغان"، وإظهاره بصورة المذنب أمام الرأي العام الدولي، والضغط كذلك على الملف السوري، نسيت أو تناست أن "أردوغان" ليس لقمة سائغة، وأن تركيا باتت تمتلك مكانة مركزية في هذا العالم الجديد.