"البازار الكبير" بإسطنبول.. قصة تجارة ممتدة من العهد العثماني (تقرير)
**إلهامي يازيجي، رئيس مجلس إدارة البازار الكبير، قال للأناضول: السوق يستقبل يوميا 350–400 ألف زائر، يرتفعون في عطلات نهاية الأسبوع إلى 700–800 ألف
Kazım Kaan Ulu, Mücahit Enes Sevinç, Hişam Sabanlıoğlu
19 يونيو 2026•تحديث: 19 يونيو 2026
İSTANBUL
إسطنبول/ قاآن أولو، مجاهد أنس سوينج/ الأناضول
- البازار الكبير يعد أول سوق تجاري منظم في العالم
- السوق يضم 2550 متجرا، ترتفع مع الخانات المجاورة إلى نحو 4300
- أعمال الترميم شملت 44 ألف متر مربع وفتحت السطح أمام الزوار
- السطح يستقبل يوميا نحو 300 زائر ضمن مجموعات صغيرة
- السوق يوفر عملا مباشرا لنحو 40 ألف شخص
في قلب إسطنبول التاريخية، لا يبدو البازار الكبير مجرد سوق تقليدي تعج أروقته بالمتاجر والزوار، بل مدينة تجارية متكاملة تختزن في جنباتها ذاكرة أكثر من خمسة قرون من التجارة والحرف اليدوية والذهب والسجاد والخزف.
فمنذ تأسيسه قبل أكثر من 550 عاما، حافظ البازار الكبير على مكانته باعتباره أحد أشهر الأسواق التاريخية في العالم، وواحدا من أبرز مراكز التجارة والسياحة في تركيا، حيث يستقبل يوميا مئات الآلاف من الزوار، فيما ترتفع الأعداد خلال المواسم والعطل إلى مستويات قياسية، وفق مسؤولين في إدارته.
وفي أولى حلقات الملف الخاص الذي أعدته وكالة الأناضول بعنوان "أسواق وخانات إسطنبول"، يسلط هذا التقرير الضوء على البازار الكبير "Kapalıçarşı"، الذي لم يفقد دوره الاقتصادي رغم التحولات التي شهدتها أنماط التجارة الحديثة، بل نجح في إعادة تشكيل هويته ليجمع بين أصالته التاريخية ومكانته كوجهة سياحية عالمية.
مئات الآلاف من الزوار يوميا
وقال إلهامي يازيجي، رئيس مجلس إدارة البازار الكبير، للأناضول، إن السوق يستقبل في الأيام العادية ما بين 350 ألفا و400 ألف زائر يوميا، فيما يرتفع العدد خلال عطلات نهاية الأسبوع إلى ما بين 700 ألف و800 ألف زائر.
وأضاف أن أعداد الزوار تقفز خلال الأعياد إلى ما بين 2.5 مليون و4 ملايين.
وأوضح يازيجي أن البازار الكبير يعد أول سوق تجاري منظم في العالم، مشيرا إلى أن شارع "قلبقجيلر" الواقع عند المدخل الرئيسي للسوق كان تاريخيا مركزا لتجار الذهب والصرافين وصناع القبعات التقليدية، ولا يزال حتى اليوم من أكثر شوارع البازار حيوية ونشاطا.
وقال إن البازار الكبير ما زال يشكل مركزا رئيسيا للحركة الاقتصادية، مضيفا: "إنه المكان الذي تدور فيه عجلة الاقتصاد. ففي كل شارع تجد متعاملين في البورصة والتمويل والتصنيع وتجارة الجملة. هنا يوجد أقدم شكل من أشكال التجارة، وهنا تدور الأعمال".
وأشار إلى أن السوق يتيح شراء الذهب بكميات صغيرة تبدأ من 10 غرامات، إلى جانب سبائك يصل وزنها إلى 10 كيلوغرامات، لافتا إلى أن الأسعار فيه غالبا ما تكون أكثر تنافسية مقارنة بمناطق أخرى.
وأوضح أن السوق يضم نحو 2550 متجرا داخل مبنيي "جواهر بدستان" و"سندال بدستان" التاريخيين، فيما يرتفع العدد إلى نحو 4300 متجر عند احتساب الخانات المجاورة.
وأضاف أنه عندما بدأ العمل في السوق عام 1981، كانت كل منطقة داخله متخصصة بنشاط تجاري معين، مثل السجاد، والصياغة، والأحذية المنزلية، والستائر، والأثاث.
وأشار إلى أن البازار الكبير شهد خلال العقود الأخيرة تحولا تدريجيا في طبيعته التجارية، فبعدما كان وجهة رئيسية لسكان إسطنبول الراغبين في تجهيز منازلهم والاستعداد للزواج، أصبح اليوم أكثر ارتباطا بالنشاط السياحي، مع انتشار محال الذهب والهدايا التذكارية والسجاد اليدوي والمقاهي والمنتجات النسيجية.
السطح يستقبل يوميا نحو 300 زائر
وقال يازيجي إن أعمال ترميم بدأت قبل ست سنوات وشملت مساحة تبلغ 44 ألف متر مربع، وأسفرت عن إعادة تنظيم سطح السوق بالكامل وفتحه أمام الزوار والسياح.
وأوضح أن إدارة السوق تستقبل يوميا نحو 300 زائر إلى السطح ضمن مجموعات صغيرة تضم 10 أشخاص، يرافقهم مرشدون سياحيون وعناصر أمن.
وأضاف أن الزوار يتمكنون من مشاهدة الممرات التاريخية للبازار من الأعلى، والتقاط صور بانورامية تطل على مسجد نور عثمانية وجامع بايزيد.
وحول فرص العمل التي يوفرها السوق، أوضح يازيجي أن البازار يضم نحو 7500 مالك عقار، ويعمل في كل محل ما معدله خمسة أشخاص، ما يوفر فرص عمل مباشرة لنحو 40 ألف شخص.
وأضاف أن هذا العدد يرتفع بصورة غير مباشرة عند احتساب العائلات التي تعتمد اقتصاديا على نشاط السوق، مشيرا إلى أن البازار الكبير يشكل مصدر دخل لمئات الآلاف من الأشخاص.
وأكد أن الجولات السياحية على السطح توفر دخلا إضافيا للسوق، إذ يساهم الزوار في الترويج له عند عودتهم إلى بلدانهم، كما يقبل كثير منهم على التسوق داخله، الأمر الذي ينعكس إيجابا على التجار.
وأشار إلى أن كثرة محال الذهب ومكاتب الصرافة داخل السوق دفعت الإدارة إلى اعتماد نظام أمني متطور يعتمد على أجهزة استشعار يتم تفعيلها عقب انتهاء كل جولة سياحية.
وأضاف أن السوق يضم 23 بوابة، يستخدم منها 21 فعليا، حيث تفتح الأبواب الرئيسية أمام التجار عند الساعة السابعة والنصف صباحا، فيما يسمح بدخول الزوار اعتبارا من الساعة الثامنة والنصف.
معظم المنتجات تُصنع في الأناضول
وفي حديثه عن "جواهر بدستان"، قال يازيجي إن التجار في العهد العثماني كانوا يستخدمون هذا القسم لحفظ الأموال والمقتنيات الثمينة ليلا، قبل استعادتها صباحا، ما جعله يؤدي وظيفة تشبه إلى حد كبير الخزائن المصرفية في الوقت الحاضر.
وأشار إلى أن السوق يضم متاجر تستهدف السياح المحليين والأجانب، وتعرض تشكيلة واسعة من الهدايا التذكارية والأطباق اليدوية والمنسوجات والسجاد، موضحا أن معظم هذه المنتجات تُصنع في مناطق مختلفة من الأناضول.
وقال إن من أبرز التقاليد التاريخية التي ما زالت مستمرة منذ افتتاح السوق "تقليد الآخية"، المرتبط بافتتاح المتاجر بالدعاء داخل ساحة تعرف باسم "ساحة الدعاء".
وأوضح أن هذه الساحة كانت تاريخيا مكانا يمارس فيه التجار من طوائف مختلفة، بينهم السريان والأرمن واليهود والروم والمسلمون، نشاطهم التجاري ضمن تقاليد مشتركة تعود إلى العهد العثماني.
وأضاف أن الدعاء الجماعي كان يقام أيام الجمعة طلبا للبركة في التجارة، مشيرا إلى أن هذا التقليد لا يزال مستمرا حتى يومنا هذا.
وأكد أن الإدارة تعمل حاليا على مشروع جديد لإنشاء عمل فني يجسد مشهد دعاء التجار إلى جانب أحد رجال الدين، مع إتاحة التعرف على خلفية هذا التقليد التاريخي عبر رمز الاستجابة السريعة (QR).
خزف إزنيق يجذب السياح
ويحظى خزف مدينة إزنيق، الواقعة غربي تركيا، باهتمام واسع داخل السوق، حيث يقبل الزوار على مشاهدة المنتجات اليدوية التقليدية، ولا سيما المزهريات والأطباق المزخرفة.
وأعرب عدد من السياح الذين زاروا السوق واطلعوا على منتجات إزنيق التقليدية عن إعجابهم بالمطبخ التركي والتاريخ العثماني، معتبرين أن البازار الكبير يعد واحدا من أجمل الأسواق التاريخية في العالم وأكثرها تميزا.
وبين ممراته التاريخية ومساجده وخاناته ومحاله العتيقة، يواصل البازار الكبير أداء دوره بوصفه أحد أبرز رموز إسطنبول التاريخية، وجسرا يربط بين ماضي المدينة التجاري العريق وحاضرها السياحي النابض بالحياة، محتفظا بمكانته كأحد أشهر الأسواق التاريخية وأكثرها استقطابا للزوار على مستوى العالم.