تونس/ عادل الثابتي / الأناضول
** القيادي بحركة النهضة رياض الشعيبي:
دعوة رئيس "حركة النهضة" التونسية راشد الغنوشي إلى "حوار لا يستثني أحدا" من أجل التوافق على مقاربة وطنية لمعالجة أزمات وتحديات البلاد، أثارت تكهنات بشأن توقيت وأهداف الدعوة، خاصة في ظل ضبابية المشهد المحلي والإقليمي.
ويرى محللون سياسيون أن دعوة الغنوشي للحوار "مبنية على قناعته بأن الأزمات السياسية لا يمكن حلها إلا بالحوار"، بينما يرى آخرون أن الدعوات للحوار من "حركة النهضة" و"جبهة الخلاص الوطني" تأتي كمسعى لإيجاد مخرج لوضعهما بعد خسارتهما الحاضنة الشعبية، في ظروف يسودها الانقسام واصطدام رغبات أطراف الحوار مع السلطة.
وفي 17 أبريل/ نيسان الجاري، كتب الغنوشي الذي يقبع في سجن المرناقية بالعاصمة تونس، رسالة بمناسبة مرور 3 سنوات على توقيفه، ونشرها عبر فيسبوك.
وقال في الرسالة إن "البلاد بحاجة إلى حوار بعيدا عن كل إقصاء، حوار لا يستثني أحدا، للتوافق على مقاربة وطنية لمشاكل تونس والتحديات التي تواجهها، وفكرة الدعوة لدولة اجتماعية لا تقوم إلا مع حليفتها السياسية الديمقراطية".
وأوضح أنه اعتقل على خلفية خطاب ألقاه قبل 3 سنوات، قال فيه إن "الاحتراب الأهلي بديل التنوع والتحاور، وقبول الاختلاف وسماع الآخر هو ضمانة التعايش السلمي"، لافتا إلى أنه تحول من "خطاب نصح وتحذير إلى خطة تآمر" انتهى به إلى محاكمة.
ومؤخرا، قضت محكمة تونسية بالسجن 20 عاما بحق الغنوشي، و3 قياديين آخرين بحركة النهضة، وذلك في قضية "المسامرة الرمضانية"، وفق إذاعة "موزاييك" الخاصة.
وإعلاميا تُسمى القضية "المسامرة"، لأن الغنوشي وآخرين أدلوا بالتصريحات المنسوبة إليهم خلال مسامرة رمضانية نظمتها جبهة الخلاص الوطني المعارضة عام 2023، تضامنا مع المعتقلين السياسيين.
وفي 17 أبريل 2023، دهمت قوات الأمن منزل الغنوشي (84 عاما) وأوقفته، قبل أن تقضي محكمة ابتدائية بإيداعه السجن بتهمة الإدلاء بتصريحات "تحرض على الفوضى والعصيان".
وصدرت بحق الغنوشي أحكام بالسجن في قضايا أخرى تصل إلى عشرين عاما، في حين يرفض الغنوشي حضور أي محاكمة، ويعتبر أن هذه المحاكمات "تصفية حسابات سياسية"، بينما تقول السلطات إن القضاء مستقل ولا تتدخل في عمله.
رياض الشعيبي، القيادي في النهضة، يقول إن دعوة الغنوشي للحوار "مبنية على قناعة لديه بأن المشاكل والأزمات السياسية لا يمكن حلها إلا من خلال الحوار".
ويضيف الشعيبي للأناضول، أن الغنوشي عبر في رسالته عن "تلك القناعة بغض النظر عن استعداد السلطة للتعاطي مع دعوته للحوار".
ويتابع: "السلطة لا تزال في النهج الاقصائي والتسلطي، المتمثل في إيقاف المعارضين السياسيين وتكميم الأفواه وحرمان المجتمع من التعبير عن رأيه بكل حرية".
ويزيد: "تبدو الدعوة للحوار وكأنها غير منسجمة مع السياق السياسي، ولكنها في الحقيقة هي تعبر عن رؤية الغنوشي للحلول المتاحة والممكنة للأزمة التي تمر بها البلاد والتي لا تكون إلا عن طريق الحوار".
عبد الرزاق الخلولي، المحلل السياسي المقرب من السلطة، يرى أن الدعوة للحوار "مسألة معقدة في ظروف يسودها الانقسام والضبابية واصطدام رغبات أطراف في الحوار مع السلطة".
ويقول الخلولي إن الدعوات للحوار "تكررت في عدة مناسبات، ولكن رد السلطة، وخاصة الرئيس قيس سعيّد، كان دائما الرفض، لأنه يرى ألا حوار مع المتآمرين ولا الجهات المأجورة، ويقول إن دعوات المعارضة إلى الحوار لا تهدف إلا لعرقلة المسار الوطني".
ويتابع: "نحن في ظروف متشعبة، وطرح موضوع الحوار فيه ضرب من العبث".
وعلى عكس الخلولي، يرى الباحث في علم الاجتماع هشام الحاجي، أن تونس اليوم يسودها "شعور كبير بضرورة الحوار لتجنب سياسات التصلب، وتجنب تعمق القطيعة بين السلطة من جهة، وبقية مكونات المشهد السياسي من جهة أخرى".
ويقول الحاجي: "الحاجة للحوار موجودة وضروري للغاية، وجميعنا يعرف وضعنا الاقتصادي الصعب والوضع الإقليمي في منطقة مرشحة لمستجدات تجعل الحوار ضروريا باعتباره من القواسم الوطنية المشتركة التي تسهل خلق آليات لمواجهة تلك المستجدات".
ويضيف: "السلطة تعتبر نفسها مسؤولة بمفردها عن إدارة الشأن السياسي، وأنها تملك تفويضا لإدارة البلاد يجعلها في غنى عن الحوار، حيث لا نجد في خطابها أي تثمين للاختلاف أو القبول به، وهي ليست مع الحوار".
وتشهد تونس أزمة سياسية منذ أن بدأ الرئيس سعيّد في 25 يوليو/ تموز 2021 فرض إجراءات استثنائية، شملت حل مجلس النواب وإقرار دستور جديد.
وتعتبر قوى تونسية هذه الإجراءات "انقلابا على الدستور وترسيخا لحكم فردي مطلق"، بينما تراها قوى أخرى "تصحيحا لمسار ثورة 2011" التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي (1987-2011).
بينما يقول سعيد، إن إجراءاته "تدابير في إطار الدستور لحماية الدولة من خطر داهم"، مشددا على "عدم المساس بالحريات والحقوق".
الخلولي يرى أن من يدعو اليوم إلى "حوار شامل وغير إقصائي" هما "حركة النهضة" و"جبهة الخلاص الوطني"، اللتان تسعيان إلى "إيجاد مخرج لوضعهما بعد خسارة الحاضنة الشعبية"، وفق تعبيره.
ويعتبر أن الداعين للحوار "يحاولون الخروج من الحوار بأخف الأضرار، لإيجاد مخرج وحل لوضعهما الحالي، وخاصة إيقاف المحاسبة وإخراج المساجين (من قادة الحركة والجبهة)".
وتعتبر "جبهة الخلاص الوطني" تكتل معارض مكون من 10 مكونات سياسية ومدنية، وتأسست في مايو/أيار 2022، لمواجهة ما تصفته بـ"الانقلاب" على الدستور، المتمثل في إجراءات سعيّد في يوليو 2021.
بالمقابل، يرى الشعيبي أن الغنوشي وزملاءه من المعتقلين "في قلب الفعل السياسي، فصحيح أنهم مسجونون، ولكن آراءهم ومواقفهم لا زالت حاضرة في الساحة السياسية وتؤثر بقوة المشهد السياسي الحالي".
ويعتبر أن القول إن الدعوة للحوار هي "محاولة للعودة إلى المشهد السياسي فيه مغالطة، لأنهم لم يغادروا المشهد السياسي ولا يزالون فاعلين فيه بقوة رغم اعتقالهم".
الشعيبي يلفت إلى أن "المشكل اليوم ليس في من يعود ومن لا يعود للمشهد السياسي، بل في أن البلاد تعاني أزمة متعددة الأبعاد".
ويردف: "سياسيا، هناك ضعف في شرعية السلطة التي تعاني عزلة في الداخل، وتجاوزاتها الكبيرة المتمثلة في الاعتقالات السياسية واعتماد قوانين غير دستورية لا تحترم حقوق الإنسان".
ويزيد: "اقتصاديا واجتماعيا، الوضع خطير جدا، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة (نتيجة حرب إيران) والعجز المزدوج في الميزانية والمستوى التجاري، وحالة التضخم الكبيرة ونضوب موارد الدولة".
ويوضح الشعيبي أن "الوضع المتردي اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، يستوجب من الجميع الجلوس والحوار والبحث عن حلول لإخراج البلاد من أزمتها، وهذا هو الدافع وراء إطلاق الغنوشي دعوته للحوار، وليس العودة إلى الساحة السياسية باعتباره حاضرا وبقوة في المشهد السياسي ولم يغادره مطلقا".
كما يرى الحاجي أن الدعوة للحوار هي "رسالة على أن الغنوشي لا يزال في المشهد وأنه فاعل سياسي بالأساس، كان له دور في البلاد، وشخصية تبوأت مواقع مهمة، آخرها رئاسة مجلس النواب (من 2019 وحتى 2022)".
ويضيف: "ربما تكون دعوة الغنوشي للحوار قراءة للوضع السياسي المحلي والإقليمي، في ظل تحولات وتداعيات متوقعة للحرب على إيران".
ويشدد الحاجي على أن "الحياة السياسية لا يمكن أن تتطور وتتقدم وتواجه الصعوبات إلا بالحوار".
ومنذ الإجراءات الاستثنائية في 2021، شهدت تونس عدة دعوات ومبادرات للحوار السياسي لم تنجح في جمع كافة الأطراف على طاولة واحدة.
news_share_descriptionsubscription_contact
