تونس/ عادل الثابتي / الأناضول
بعد سنوات من الدور الذي لعبته منظمات تونسية في التوسط بين الفرقاء خلال أزمات سياسية حادة، تعود هذه الهياكل إلى الواجهة في مشهد مختلف، عبر مبادرة تنسيقية تفتح أسئلة حول قدرتها على استعادة تأثيرها، وحدود دور المجتمع المدني في مرحلة تتسم بتغير موازين القوى وتفاقم التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
فهل تمثل المبادرة محاولة لإعادة إحياء دور الوساطة الوطنية كما حدث عام 2013، أم أنها تعكس رغبة في تسجيل موقف وسط واقع سياسي جديد؟.
وبينما يرى مراقبون أن السياق الحالي يختلف عن تجربة الحوار الوطني السابقة، تواجه المنظمات الثلاث تحديات داخلية واختبارات تتعلق بقدرتها على حشد التأييد والتأثير.
وفي 3 سبتمبر/ أيلول الجاري، أطلقت 3 منظمات تونسية مبادرة تنسيقية للتعامل مع ما وصفته بـ"الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العميقة" التي تواجه البلاد.
وضمت المبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل، والهيئة الوطنية للمحامين بتونس، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، التي قالت في بيان مشترك إن مسؤوليتها تدفعها إلى إطلاق إطار تنسيقي "من أجل تونس والتونسيين" يقوم على حماية مكاسب الشعب، والتمسك بدولة القانون والمؤسسات، وصون استقلالية المجتمع المدني والدفاع عن الحقوق والحريات.
وسبق لهذه المنظمات، إلى جانب الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، قيادة حوار وطني عام 2013 أنهى أزمة سياسية حادة، وحصل الرباعي بموجبه على جائزة نوبل للسلام عام 2015.
وفي عام 2013، دخلت تونس في أزمة سياسية حادة عقب اغتيال المعارضين السياسيين شكري بلعيد في فبراير/ شباط، ومحمد البراهمي في يوليو/ تموز، ما أدى إلى احتجاجات واسعة ومطالبات بحل المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان المؤقت آنذاك) وإنهاء الأزمة بين السلطة والمعارضة.
وفي ظل تصاعد التوتر، قاد الرباعي الراعي للحوار الوطني، الذي ضم الاتحاد العام التونسي للشغل، والهيئة الوطنية للمحامين بتونس، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية آنذاك حوارا بين القوى السياسية بهدف تجاوز الأزمة والتوصل إلى توافقات.
وانتهى الحوار إلى استقالة حكومة الترويكا التي كانت تقودها حركة "النهضة" وحلفاؤها، وتشكيل حكومة كفاءات مستقلة، إلى جانب استكمال المسار الدستوري الذي أفضى إلى إقرار دستور 2014.
ويقول المدير السابق للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، طارق الكحلاوي للأناضول، إن هذه المنظمات توجد عادة عند تقاطع البعدين الاجتماعي والسياسي.
ويضيف أن المبادرة تفتقد أحد أطراف تجربة 2013، وهو الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، مشيرا إلى أن هذا الاتحاد أصبح في السنوات الأخيرة أقرب إلى توجهات السلطة خلال فترات الانغلاق السياسي.
ويعتبر الكحلاوي، أن بيان المنظمات الثلاث "أقرب إلى إعلان نية للتحرك وليس بالضرورة الانطلاق قريبا في تحركات".
ويوضح أن الاتحاد العام التونسي للشغل "هو الأكثر قدرة على التعبئة، لكنه يمر بأزمة مالية وصراعات داخلية، فيما تواجه هيئة المحامين بدورها تحديات"، مشيرا إلى أن الاتحاد "ليس في وضع قوة ولكن بصدد تسجيل موقف".
وحول احتمال التوجه إلى الشارع يقول الكحلاوي، إن هناك "إعلان رغبة للتوجه إلى الشارع وليس بالضرورة خطة للنزول"، مرجحا أن تكون المبادرة دعوة إلى السلطة للتفاوض.
ويضيف أن موقف الاتحاد تغير بعد معارضته استفتاء يوليو/ تموز 2022 ودعوته إلى حوار وطني، لكن أزماته الداخلية حدت من قدرته على تقديم مبادرات.
من جانبه، يقول أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية مهدي مبروك للأناضول، إن سياق المبادرة الحالية يختلف عن عام 2013 من حيث طبيعة الفاعلين المدنيين وطبيعة السلطة.
ويوضح أن أزمة 2013 جاءت في ظل عنف سياسي ومطالب بالإسراع في إصدار دستور وإنهاء حكم الترويكا، بينما لا تشهد تونس حاليا مرحلة تأسيسية انتقالية.
ويضيف مبروك أن المنظمات الثلاث لا تمتلك المشروعية نفسها التي كانت لديها خلال الثورة، مشيرا إلى أن الاتحاد العام التونسي للشغل يواجه تحديات داخلية، فيما تواجه الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وهيئة المحامين إشكالات مرتبطة بمواقفهما.
ويقول إن هذه الهياكل "تريد أن تقطع مع الصورة السلبية التي تركتها لدى الرأي العام"، لكنه اعتبر أن التنسيقية وحدها غير كافية دون خطوات عملية.
ويردف أن المنظمات لها مصلحة في استعادة الديمقراطية لأنها كانت من أكثر الجهات التي تضررت من الاستبداد، إلا أن الرغبة والإرادة وحدهما لا تكفيان، داعيا إلى العمل المدني السلمي واستعادة الثقة.
وختم مبروك بالقول إن على المنظمات الثلاث "ألا تتوهم أنها في موقع قوة".
في المقابل، يعتبر المحلل السياسي المقرب من السلطة عبد الرزاق الخلولي، أن المبادرة "اجتهاد" من المنظمات الثلاث، لكنه رأى أنها جاءت في "الوقت الضائع".
ويقول الخلولي للأناضول، إن الظروف الحالية تختلف عن أزمة 2013 التي شهدت اغتيالات واحتقانا شعبيا، مضيفا أن التونسيين يواجهون اليوم صعوبات اقتصادية ومالية، بينها تراكم الديون.
ويرى أن المبادرة لن تجد قبولا واسعا، ووصفها بأنها "بالونات هوائية"، مضيفا أن لقاء المنظمات الثلاث "جعجعة ولا يرى طحينا".
وتشهد تونس خلال الفترة الأخيرة صعوبات في التزود بالمياه والكهرباء، إلى جانب اضطرابات في توفر بعض المواد الأساسية والأدوية.
وفي مناسبات سابقة، أرجع الرئيس التونسي قيس سعيد بعض اضطرابات الخدمات والمواد الأساسية إلى ما وصفه بوجود "قوى متآمرة"، في سياق حديثه عن مسار مكافحة الفساد منذ الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها في 25 يوليو/ تموز 2021.
وقال سعيد إن انقطاعات المياه والكهرباء واندلاع الحرائق تمثل "ظواهر غير عادية"، مؤكدا أن الدولة "لن تقف مكتوفة الأيدي" أمام من يسعى إلى التنكيل بالمواطنين وتأجيج الأوضاع.
news_share_descriptionsubscription_contact
contact_the_ombudsman
is_there_an_error_in_this_story
