محمد الخاتم
الخرطوم – الاناضول
واصل الجنيه السوداني التراجع أمام العملة الأمريكية حيث بلغ سعر الدولار في السوق غير الرسمية للعملة 7.05 جنيه وذلك بعد فشل قمة الرئيس عمر البشير مع نظيره الجنوبي سلفاكير ميارديت في حسم خلافاتهما والتمهيد لاستئناف تصدير نفط الجنوب عبر الشمال .
وقال تاجر لمراسل وكالة الأناضول للأنباء ،طلب عدم ذكر اسمه، أن قيمة العملة السودانية تراجعت من 6.9 جنيه للدولار إلى 7.05 جنيه غداة الإعلان عن فشل القمة التى عقدت الجمعة الماضية بالعاصمة الاثيوبية أديس ابابا ،مشيرا إلى ندرة في المعروض من الدولار مقابل زيادة فى الطلب عليه بعد الحملة التي نفذتها الأجهزة الأمنية ضد تجار العملة .
ووقع السودان وجنوب السودان في سبتمبر الماضي بروتوكول تعاون شمل تسع اتفاقيات أبرزها الاتفاق الأمني الذي يمنع دعم أي طرف للمتمردين على الطرف الآخر واستئناف تصدير نفط الجنوب الذي لا منفذ بحري له عبر الأراضي الشمالية .
لكن الخرطوم تشترط على جوبا إنفاذ الاتفاق الأمني أولا ووقف الدعم الذي تقول أن جوبا تقدمه لمتمردين يحاربونها في مناطق متآخمة لدولة الجنوب قبل استئناف جنوب السودان تصدير نفطه الذي يحتاجه الشمال بشدة لإنقاذ اقتصاده .
واستحوذ جنوب السودان على 75 % من حقول النفط بعد انفصاله في يوليو 2011 بينما استحوذ السودان على البنية التحتية اللازمة لعمليات النقل والتكرير والتصدير.
وأوقف جنوب السودان إنتاجه النفطي ( 350 الف برميل يوميا ) في يناير الماضي بسبب خلافه مع الخرطوم حول رسوم النقل والتكرير والتصدير، لكن الطرفين اتفقا في سبتمبر الماضي على رسم ما بين 9 – 11 دولارا للبرميل الواحد حسب الحقل المنتج منه، فضلا عن 3 مليار و28 مليون دولار تدفعها جوبا للخرطوم لتعويضها عن خسارتها لحقول النفط بواقع 15 دولار عن أي برميل نفط لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة.
وكانت عائدات النفط تساهم بأكثر من 50 % من موارد الموازنة العامة وتمثل المصدر الأساسي لتوفير العملة الصعبة لتغطية الواردات وبفقدانها وصلت نسبة التضخم في ديسمبر الماضي 44.4 % .
ويمثل النفط 98% من إيرادات دولة جنوب السودان الذي يعتمد منذ يناير الماضي على الدول المانحة لتغطية نفقاته.
وقال مدير تحرير صحيفة إيلاف الاقتصادية خالد سعد لمراسل الأناضول أن الأوضاع الاقتصادية فى السودان ماضية إلى ما هو أسوأ ،مبررا ذلك بأن الحكومة لا تمتلك بدائل لحل الأزمة الاقتصادية وهي أكبر من إمكانياتها على حد قوله.
وشخص سعد أسباب الأزمة في ضعف الاستثمارات الأجنبية وتضارب السياسيات الاقتصادية للحكومة ، ورأى أن البنك المركزي يصدر سياسات نقدية مخالفة لسياسات وزارة المالية .
وعن إعلان وزارة النفط السودانية رفع الإنتاج إلى 180 الف برميل يوميا قال سعد " الإعلان مجرد حديث سياسي أكثر من كونه حقيقة اقتصادية". وتابع : "صحيح هناك اكتشافات جديدة لكنها لن تدخل دائرة الإنتاج قبل نهاية العام الحالي".
واستشهد بإعلان وزارة النفط السودانية برفع الإنتاج إلى 180 الف برميل يوميا عند نهاية العام 2012 بينما وصل فعليا لأقل من 150 الف برميل.
وقال" الحل الوحيد المتوافر أمام الحكومة السودانية لمنع الانهيار الكامل للاقتصاد هو الاستدانة من دول مثل الصين التي لها استثمارات جيدة في السودان ودول شبه صديقة مثل قطر" .
لكنه استطرد قائلا : "المشكلة أن الاستدانة من الخارج تفاقم من الديون الخارجية التي تبلغ 40 مليار دولار وهو ما سيكون له انعكاسات سالبة في المستقبل".
ووقع السودان نهاية ديسمبر الماضي على اتفاق مع بنك التنمية الصيني حصل بموجبه على قرض قيمته 1.5 مليار دولار عبر خط ائتمان وفرته الشركة الوطنية الصينية للنفط وهي أكبر مستثمر في قطاع النفط بالسودان.
وصادق مجلس الوزراء السوداني قبل أسبوعين على الاتفاقية التي تمنح الخرطوم فترة سماح خمسة سنوات ومثلها للسداد ،لكن لم يتم حتى الإعلان عن موعد التنفيذ الذي يستلزم مصادقة البرلمان.
ويغطي القرض العجز المعلن في الموازنة والذي يبلغ 10 مليار جنيه (1.47 مليار دولار) ،لكن خبراء سودانيون يشككون في الأرقام الواردة في الموازنة العامة ،ويقولون أن العجز أكبر بكثير مما هو معلن حيث تبلغ قيمة الواردات 25 مليار جنيه والمصروفات 35 مليار جنيه .
وتوقع سعد أن تتنازل الخرطوم عن موقفها التفاوضي مع جوبا وتقبل باستئناف تصدير نفط الجنوب دون رهنه بتنفيذ الاتفاق الأمني .
ووصف اشتراط الخرطوم بغير العقلاني باعتبار أن جوبا تمر بأزمة اقتصادية أكبر من الخرطوم وليس بإمكانها دعم الحركات المسلحة .
وقال "صحيح أن الحركات المسلحة لها علاقات مع جوبا لكنها لا تستطيع دعمها وأكثر ما يمكن أن تقدمه لها هو الدعم السياسي" .
وقال أن الحركات المسلحة ليست في حاجة لمنصة انطلاق قتالية من الأراضي الجنوبية لأنها أصلا مرتكزة في أراضي شمالية وأقصى ما يمكن أن تقدمه لها جوبا هو تأمين ظهرها وليس الدعم المباشر .
وأوضح أن جوبا رغم تدهور اقتصادها إلا أنها تتلقى دعما خارجيا يساعدها على استقرار الأوضاع وهو ما لا يتوفر للخرطوم ،لذا عليها ترك تعنتها والموافقة على استئناف تصدير النفط.
ولفت إلى أن عائدات النفط لا تمثل الحل النموذجي للأزمة الاقتصادية لكن من شأنها تحسين سعر الصرف وتهيئة مناخ الاستثمار وتمنح النظام السياسي مزيدا من الاستقرار الذي يفتقده بسبب الأزمة الاقتصادية لأنه مواجه الآن بالانهيار ككل وليس انهيار الاقتصاد .
ونبه إلى أن عجز الموازنة بالسودان سيتفاقم عند نهاية الربع الأول وستضطر الخرطوم للتنازل حتى لا يكون مصيرها الاختناق.
وعن تعويل الحكومة السودانية على الذهب لتغطية العجز الناتج عن فقدان نفط الجنوب قال سعد إن الذهب يمكن أن يخفف الضغط على الموازنة لكن بنسبة ضعيفة ،مشيرا إلى أن مساهمة الذهب في إيرادات الموازنة لا يمكن أن تمثل 20 % كما أعلن وزير المالية لجهة أن التنقيب عنه عشوائي من قبل الأهالي وليس منظم عبر شركات .
مصع