الرام (شمال القدس) / قيس أبو سمرة / الأناضول
كشف رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم جبريل الرجوب، الثلاثاء، تفاصيل واقعة رفضه مصافحة ممثل الاتحاد الإسرائيلي خلال اجتماع الجمعية العمومية للاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" بمدينة فانكوفر الكندية، مبينا أن "المعركة ستتواصل لعزل الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم دوليا".
جاء ذلك في مقابلة للأناضول مع الرجوب الذي يشغل أيضا منصب أمين سر اللجنة المركزية لحركة "فتح"، وذلك بعد أيام من رفضه مصافحة ممثل الاتحاد الإسرائيلي أمام "الفيفا" باسم الشيخ سليمان، معلقا على ذلك حينها بأن "الكرامة الوطنية لا تخضع للبروتوكولات".
وأوضح الرجوب للأناضول أن هذا الموقف "لم يكن مجرد تصرف بروتوكولي عابر، بل تعبير عن موقف سياسي وأخلاقي يرفض التطبيع الرياضي مع من يبرر استهداف المدنيين والمنشآت الفلسطينية".
وشدد على أن المعركة القانونية لعزل الاتحاد الإسرائيلي وفرض العقوبات عليه ستتواصل حتى إنهاء "ازدواجية المعايير" الدولية.
وأشار إلى أن التحرك الفلسطيني داخل "فيفا" تجاوز المربع الرمزي ليصبح "معركة قانونية وأخلاقية طويلة الأمد" تستند إلى ملفات موثقة تشمل مشاركة أندية المستوطنات في الدوري الإسرائيلي والتحريض العنصري الممنهج واستهداف البنية التحتية الرياضية واللاعبين في قطاع غزة والضفة الغربية.
وتنشط أندية إسرائيلية في مستوطنات بالضفة الغربية المحتلة - بما فيها القدس الشرقية - التي تعتبرها الأمم المتحدة أراضي فلسطينية محتلة، وأي أنشطة احتلالية فيها "غير قانونية".

يقول الرجوب: "نحن لا نخوض معركة علاقات عامة أو تسجيل مواقف سياسية، بل معركة تستند إلى ملفات قانونية واضحة، وإذا ما جرى التعامل معها وفق القوانين والأنظمة دون ازدواجية فإنها كفيلة بفرض عقوبات على الاتحاد الإسرائيلي، بما في ذلك تعليق عضويته أو طرده".
ويشرح أن هذه المساعي ترتكز على 3 ملفات رئيسية "الأول يتعلق بوجود أندية إسرائيلية تمارس نشاطها في مستوطنات مقامة على أراضٍ فلسطينية محتلة، وهذا انتهاك صريح لأنظمة الفيفا التي تمنع أي اتحاد من تنظيم مسابقات خارج نطاقه الجغرافي المعترف به".
والملف الثاني "يتمثل في دعم وتبرير شخصيات رياضية إسرائيلية لعمليات استهداف المدنيين والبنية التحتية، وهو ما يتعارض مع القيم الأساسية للحركة الرياضية العالمية، التي تقوم على نبذ العنف وتعزيز السلام".
أما الملف الثالث "فيتعلق بسياسات الاحتلال التي وضعت الرياضة الفلسطينية على قائمة الاستهداف، من خلال تدمير المنشآت، واغتيال اللاعبين، وفرض قيود خانقة على الحركة، بما جعل تنظيم أي نشاط رياضي طبيعي شبه مستحيل".
ويشير الرجوب إلى أن هذه القضايا "مطروحة منذ سنوات داخل أروقة الفيفا"، مضيفًا: "ظلت هذه الملفات تدور في اللجان دون حسم، لكننا بدأنا نلمس مؤخرًا تغيرًا تدريجيًا في التعاطي معها، حتى وإن كان بطيئًا".
ويستشهد بقرار حديث أقرّ بوجود "عنصرية ممنهجة" داخل الاتحاد الإسرائيلي، قائلًا: "صحيح أن الإجراءات كانت محدودة، لكنها تمثل اعترافًا رسميًا مهمًا، وسنبني عليه في المرحلة المقبلة".
وفي مارس/ آذار الماضي أعلن "الفيفا" فرض عقوبات على الاتحاد الإسرائيلي، عقب شكوى من الاتحاد الفلسطيني، لكن الأخير اعتبر هذا الإجراء "غير كافٍ ولا يرقى إلى حجم الانتهاكات".
وأعلن "فيفا" آنذاك أن لجنته التأديبية خلصت إلى أن الاتحاد الإسرائيلي ارتكب مخالفات تتعلق بالتمييز والسلوك العدواني، في انتهاك لالتزاماته كعضو.
وشملت العقوبات غرامة مالية 190 ألف دولار، وتوجيه تحذير بسبب انتهاك المادتين 13 (السلوك العدواني) و15 (التمييز والعنصرية) من القانون التأديبي.
كما أُلزم الاتحاد الإسرائيلي بتنفيذ إجراءات وقائية بينها رفع لافتة بشعار "كرة القدم توحد العالم.. لا للتمييز" خلال ثلاث مباريات دولية، وتخصيص ثلث قيمة الغرامة لتنفيذ خطة شاملة لمكافحة التمييز.
وفي سياق مشاركته في الاجتماعات الدولية، يتوقف الرجوب عند حادثة أثارت تفاعلًا واسعًا، حين رفض مصافحة ممثل رئيس الاتحاد الإسرائيلي خلال اجتماعات الفيفا الأسبوع الماضي، مؤكدًا أن ذلك لم يكن موقفًا شخصيًا، بل تعبيرًا عن موقف سياسي وأخلاقي.
ويقول إن "عدم المصافحة موقف يعكس قناعة بأن التطبيع الرياضي مع من يبرر استهداف المدنيين والمنشآت هو أمر مرفوض، ولا يمكن القبول به تحت أي ظرف، فعدم المصافحة لم يكن تصرفا بروتوكوليًا عابرا".
ويضيف: "عندما يتحدث ممثل الاتحاد الإسرائيلي، يبدو وكأنه يتجاهل الواقع القائم على الأرض، وكأننا أمام خطاب منفصل تمامًا عن الانتهاكات اليومية، وهذا ما يجعل أي تعامل طبيعي معه غير ممكن".
ويشير إلى أن هذا الموقف "لاقى صدى إيجابيًا"، موضحًا: "كان واضحًا أن هناك حالة من العزلة تحيط بالممثل الإسرائيلي داخل بعض الأوساط، وهذا يعكس تحولًا تدريجيًا في المزاج الدولي، حتى وإن لم يترجم بعد إلى قرارات حاسمة”.
ويشدد على أن المشكلة الأساسية تكمن في "ازدواجية المعايير"، مضيفًا: "لا يمكن أن يكون هناك معيار صارم في قضايا دولية أخرى، ومعيار مختلف عندما يتعلق الأمر بفلسطين، نحن لا نطلب معاملة خاصة، بل نطالب بتطبيق القوانين على الجميع دون استثناء".
ويأتي هذا التحرك الفلسطيني ضمن مسار ممتد منذ سنوات داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم، إذ تطرح القيادة الرياضية الفلسطينية بشكل متكرر ملفات تتعلق بانتهاكات إسرائيلية، أبرزها مشاركة أندية من المستوطنات في مسابقات رسمية، وهو ما تعتبره مخالفة واضحة للوائح.
كما تشمل هذه الملفات، وفق الرجوب، "التحريض العلني، وتقييد حركة اللاعبين، وتدمير المنشآت"، وهي قضايا بقيت لسنوات دون حسم نهائي، قبل أن تبدأ مؤخرًا "بوادر اعتراف دولي تدريجي بها، رغم بطء الإجراءات".
وعلى المستوى الميداني، يرسم الرجوب صورة قاسية للواقع الرياضي، خاصة في قطاع غزة، قائلًا: "نحن نتحدث عن تدمير إسرائيلي شبه كامل للبنية التحتية الرياضية لا تراجعا طبيعيا، حيث إن معظم المنشآت دُمّرت أو أصبحت غير صالحة للاستخدام".
وفي 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بدأت إسرائيل حرب إبادة جماعية بغزة، خلّفت أكثر من 72 ألف قتيل فلسطيني، بينهم مئات الرياضيين، ودمارا طال 90 بالمئة من البنية التحتية، بما فيها منشآت رياضية.
ويضيف الرجوب: "في الضفة الغربية، الحركة مقيدة إلى حد كبير، ولا نستطيع تنظيم بطولات بشكل طبيعي، ولا حتى ضمان تنقل اللاعبين بين المدن".
ويتابع: "فقدنا مئات اللاعبين والحكام والإداريين، وهؤلاء ليسوا مجرد أرقام، بل يشكلون العمود الفقري للحركة الرياضية، وتعويضهم يحتاج إلى سنوات طويلة".
ورغم ذلك، يتحدث الرجوب عن محاولات لإحياء النشاط الرياضي، قائلاً: "نعمل بإمكانات محدودة جدًا، وقد نضطر إلى الاقتراض لإعادة تشغيل بعض البرامج، لأننا نؤمن أن الرياضة جزء من صمود المجتمع".

ويشدد الرجوب على أن من أبرز ما تحقق هو الحفاظ على وحدة المؤسسات الرياضية الفلسطينية، رغم الانقسام السياسي، قائلاً: "استطعنا الحفاظ على اتحاد كرة قدم واحد، ولجنة أولمبية واحدة، ومنظومة موحدة، وهذا إنجاز وطني مهم".
ويضيف: "الرياضة شكلت مساحة جامعة لكل الفلسطينيين، وهوية وطنية مشتركة، بعيدا عن الانقسامات".
وفي السياق، يشير الرجوب إلى تنظيم ماراثون في بيت لحم جنوبي الضفة بالتزامن مع فعالية مماثلة في غزة الأسبوع الجاري، قائلاً: "رغم عدم القدرة على التنقل، فإن تنظيم الحدثين في وقت واحد يبعث رسالة واضحة بأننا شعب واحد".
ويتزامن هذا الواقع مع تصعيد مستمر في الأراضي الفلسطينية منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023، حيث تشمل التطورات عمليات قتل واعتقال وهدم وتوسع استيطاني في الضفة الغربية، إلى جانب دمار واسع في قطاع غزة، وفق معطيات فلسطينية رسمية.
ويرى الرجوب أن الاعتداءات الإسرائيلية سياسات تهدف إلى "إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني وليس مجرد إجراءات أمنية"، مضيفا: "نحن أمام محاولات لدفع الناس إلى اليأس أو الهجرة، من خلال التضييق المستمر".
وبعيدا عن الشأن الرياضي، يصف الرجوب السياسات الإسرائيلية، قائلاً: "نحن أمام حكومة تمارس سياسات تقوم على التطهير العرقي وعلى شعور بالتفوق، يشبه ما شهدته أوروبا في ثلاثينات القرن الماضي".
ويضيف: "ما يجري في الضفة الغربية من مصادرة أراضٍ واعتداءات على المزارعين وحصار للتجمعات، وما يجري في غزة من دمار شامل، يعكس محاولة لإعادة رسم الخريطة الديمغرافية".
ويتابع: "ورغم كل ذلك، فإن الشعب الفلسطيني متمسك بالبقاء، وهذا الصمود هو العامل الحاسم في هذه المعادلة".
وعن المؤتمر الثامن لحركة "فتح" المزمع عقده برام الله في 14 مايو/أيار الجاري، يصفه الرجوب بأنه "استحقاق تنظيمي ووطني لا يمكن تأجيله، في ظل مرحلة يصفها بـ"الحساسة والمفصلية".
ويقول: "هذا المؤتمر يجب أن يكون محطة للمراجعة والتجديد، لأن حركة فتح تقع في صلب المشروع الوطني الفلسطيني".
ويضيف: "نحن متمسكون ببرنامجنا السياسي القائم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، لكننا ندرك أن الأدوات يجب أن تتطور بما يتناسب مع المتغيرات".
ويشير إلى أن المؤتمر "سيشهد انتخابات داخلية، وهذه عملية ديمقراطية طبيعية، قد تفرز وجوهًا جديدة، وقد تبقي على أخرى، لكن الأهم هو احترام النتائج".
ويؤكد الرجوب أن المرحلة المقبلة في فلسطين تتطلب إصلاحات شاملة، قائلا: "نحن بحاجة إلى إصلاحات سياسية وقضائية وأمنية واقتصادية، إضافة إلى تطوير الإعلام، بما يعزز ثقة المواطن بمؤسساته".
ويضيف: "تجديد الشرعية عبر الانتخابات ضرورة وطنية، لأنه يعيد بناء العلاقة بين المواطن والنظام السياسي".
ويشدد على أن "إنهاء الانقسام أولوية قصوى"، موضحا أن "الوحدة الوطنية ليست خيارًا ثانويًا، بل شرط أساسي لمواجهة التحديات".
وفي ختام حديثه، يختصر الرجوب رؤيته بالقول: "قد نواجه صعوبات كبيرة، وقد تتأخر العدالة، لكن القضايا العادلة لا تسقط".
ويضيف: "الشعب الفلسطيني متمسك بأرضه، ويرفض الاستسلام، ويواصل صموده رغم كل الظروف، وهذا الصمود هو الذي سيحسم المعركة في نهاية المطاف".
news_share_descriptionsubscription_contact
