نور أبو عيشة
غزة-الأناضول
دون مقدمات بدأت.. كانت الجامعات في قطاع غزة مشغولة بامتحاناتها النهائية، وأما المدارس فكانت مكتظةٌ بالطلاب، فمنهم من انتهى دوامه، ومنهم من ذاهب للمدرسة في الفترة المسائية، وكانت الحياةُ على شاكلتها الطبيعية تسير، مراكزُ التدريب مليئة بالمتدربين، والمراكز العسكرية، والصحية أيضًا.
وفي تمام الساعة الحادية والنصف، وحتّى نكون أكثر دقّةٍ، كانت الحادية و27 دقيقة صباحًا في يوم 27ديسمبر/كانون أول من عام 2008، حين هّزت انفجاراتٌ ضخمةٌ متتالية جميع أحياء قطاع غزة.
خرجَ طلبةُ الجامعات مهرولين إلى منازلهم، وأما طلبةُ المدراس فمنهم من أكمل طريقه إلى بيته، ومنهم من أكمل طريقه إلى "الموت".
عاصفةٌ من القلق اجتاحت أهالي القطاع، فأمسكوا بهواتفهم المحمولة ليتواصلوا مع ذويهم للاطمئنان عليهم، إلا أنهم تفاجئوا بانقطاع خطوط الاتصال.
ذهبوا مسرعين لسماع الأخبار على الفضائيات التلفزيونية المحليّة، علّهم يدركوا ماذا يحدث في هذه الأثناء، وما مبررات هذه الانفجارات؟، ماذا استهدفت؟، وأين وقعت؟ هل هناك شهداءٌ أم لا؟
الكثير من الأسئلة تضاربت في أذهان المواطنين في ذلك اليوم، خاصةً وأن طائراتِ الجيش الإسرائيلي لم تعكر صفوَ سماء قطاع غزة، كأنّهم "ألبسوا" طائراتهم كاتمًا للصوتِ.
شاهد المواطنون على شاشات التلفاز قصفًا لمركز تدريب عسكري، تتناثر فيه أجساد الشهداء، فمنهم من وافته المنيّة وهو رافع أصبع "السبابة" بعد تلاوته الشهادة، وآخرون "مزّقت" الصورايخ الإسرائيلية أجسادهم.
هي الحرب، تأتي بدونَ مقدمات، تسترق الأرواح، وتترك "الأحياء" لتختزلهم الأوجاع، فضحكات الصغار، وأحاديث الكبار، كلُّها عند الوداع تترك بصمة"موجعةً" إلى الأبد.
فبعد مرور (4) سنوات على الحرب التي شنّتها إسرائيل ضد قطاع غزة، والتي أطلقت عليها حركة حماس مسمى "حرب الفرقان"، فيما أعطتها إسرائيل مسمي "الرصاص المصبوب"، لازال أهالي الشهداء يتذكرون تفاصيل فقدان أحبتهم.
وأظهرت تقارير أن الجيش الإسرائيلي ألقى في "حرب الفرقان" ما يزيد على "مليون" كيلو جرام من المتفجرات على قطاع غزة، أي بمعدل "كيلو" جرام لكل شخص يسكن في القطاع.
واستمرت الحرب لمدة (22) يومًا، وتسببت في مقتل (1419) مواطنًا فلسطينينًّا، من بينهم (926) مدنيًّا و(412) طفلًا و(111) امرأة، وإصابة ما يزيد على (5000) شخص آخر، فضلًا عن تدمير أكثر من (50) ألف وحدة سكنية وفق الإحصائيات الرسمية.
وليس ذلك وحسب، بل اختزنت ذاكرة الغزيين الكثير من الأحدث التي حصلت خلال الحرب، العائلات التي أبيدت بـ"الكامل"، فتركت الحرب في كلّ بيتٍ قصةً وحكاية.
وقد شهدت الحرب مجازر تعرّضت لها عائلات فلسطينية عديدة، أبرزها مجزرة آل السموني، شرق مدينة غزة، حيث أعدم الجيش الإسرائيلي تسعة وعشرين من أفرادها.
كما ارتكبت مجزرةً مشابهة عندما استهدفت منزل القيادي في حركة حماس نزار ريان، فقتلته مع زوجاته الأربع وأبنائه، ولم ينجُ سوى نجله "براء".
كما أغارت الطائرات الإسرائيلية على منزل الطبيب عز الدين أبوعيشة الذي كان يعمل في المستشفيات الإسرائيلية لإنقاذ حياة إسرائيليين من الموت، فقتلت إسرائيل ثلاثة من بناته في غزة.
واستهدف الطيران الحربي الإسرائيلي منزلاً يعود لآل بعلوشة، ما أدلى لمقتل قتل خمس شقيقات.
وارتكب الجيش الإسرائيلي مجزرة مشابهة، حينما قصف مسجد الشهيد إبراهيم المقادمة في مخيم جباليا، فقتل فيه 11 مصليًّا.
كما استهدفت المدفعية الإسرائيلية مدرسة الفاخورة شمال غزة بثلاث قذائف حيث اكتظت بالمدنيين الفلسطينيين الذين لجأوا إليها بعد نزوحهم من منازلهم في المناطق "الساخن"، فقتل في هذه المجزرة ما يزيد على 46 فلسطينيًّا جلهم من الأطفال والنساء والعزّل الأبرياء.
وارتكبت اسرائيل مجزرة بحق عائلة عليوة فقتلت ستة من أفراد العائلة، وأخرى بحق عائلة الديب وقتلت 10 من أفراد الأسرة، وقصفت الطائرات الإسرائيلية بيتًا يعود لعائلة الداية وقتلت 25 فردًا من العائلة أصغرهم رضيع لم يتجاوز عمره ستة أشهر.
واستهدفت الطائرات الإسرائيلية بيتًا يعود لآل صالحة راح ضحيته 6 قتلى، وبيتًا يعود لعائلة عبد ربه قتل فيه ثمانية أفراد.
وفي لقاء خاص لوكالة "الأناضول" للأنباء مع براء نزار ريان، الناجي من مجزرة عائلة القيادي "نزار ريّان"، قال ريان: "شاءت الأقدار أن أكون لحظة القصف في سوق مخيم جباليا لشراء أنبوبة غاز، كنت بعيدًا عن البيت نحوًا من مائتي متر ارتجّت الأرض تحت قدمي ودوى صوت انفجار لم أسمع له من قبل مثيلاً، وعلا الحارة سحابة من غبار كأنما هبطت من السماء".
تابع ريان: "انقبض قلبي وصرت أركض نحو المنزل، فلم أجد سوى ركام المنزل، فدخلتُ المنطقة التي كان عليها منزلنا، كنت أبحث عن حي! قلت في نفسي: إن عثرت بأحدهم حيًا فكلهم أحياء وإن عثرت به شهيدًا فكلهم شهداء، لا يتركون بعضهم!".
وأضاف ريان:" وجدت والدي! محطم الرأس ممددًا بين الركام، كان في حجره أسامة أخي الصغير، إلى جواره كانت آية، أختي الصغيرة، لم تكمل الثانية عشرة، وإلى جوارها أمها، في حجرها كان أسعد ذي العام الواحد، وعلى شرفة المنزل المقابل رأيت جثامين أطفال، وأما أمي فقد رأيتها محمولةً إلى ثلاجةِ الموتى في المستشفى".
وذكر ريان أنه رغم بعد مرور أربع سنوات، إلا أن هذه الذكرى المؤلمة، لا تغادر مخيلته، لكنّه أضاف: "أنا على قناعةٍ أن لولا استشهاد الغزيين في الحرب لما سُمّي النصر "نصراً".
وأشار إلى أن الحرب الثانية التي شهدها قطاع غزة (14-21 نوفمبر/تشرين ثان2012)، أعادت أوجاع الحرب الأولى للغزيين، ولفت إلى أن عائلته لم تضرر –شاكراً الله- في الحرب الثانية.
وبيّن أن الله رزقه بطفلتين أطلق على الأولى اسم أمه، وعلى الثانية اسم اخته "آية"، كما رُزقَ أخوه بمولودةٍ سماها على اسم والدته.
وعن انتصار المقاومة في الحرب الثانية على قطاع غزة، قال ريان إن وصول صواريخ المقاومة إلى تل أبيب، المدينة التي تعتبر خطّاً أحمر عند إسرائيل، أفرح قلوب المسلمين.
وذكر أنه لن يعتبر هذا الانتصار ثأرًا لعائلته، مؤكدًا أن "الثأر" يتمُّ، عند زوال الدولة الإسرائيلية من الأراضي الفلسطينية.