الرباط – الأناضول
سارة آيت خرصة
ينضم إلى حلقة نقاش في ساحة الجامعة، تتعالى أصوات الطلاب مؤذنة باحتدام النقاش، يعبر كل واحد عن فصيله الطلابي وانتمائه الحزبي، وينتهي التجمع بترديد بعض الشعارات، أو توزيع دعوات لحضور ندوة ثقافية أو لقاء حزبي.
يقبل "أنس" 22 عامًا، طالب في كلية الحقوق بالرباط على مشاركة المجتمعين نقاشهم دون أن يبدي اهتمامه بالانضمام لأي حزب سياسي حيث يقول لمراسلة الأناضول: "شاركت في التصويت لأول مرة في الانتخابات التشريعية الماضية، لكنني لا أهتم كثيرًا بالانتماء لأي حزب (...) وأرتاح أكثر في العمل الجمعوي والمشاركة في بعض المبادرات الأهلية".
ينزوي "أنس" إلى أحد زوايا مكتب الكلية، يستغرق في المطالعة، كل عناوين الكتب تحضر فيها كلمة "السياسة"، لكنه – حسب ما يقول - يفضلها نظرية لا واقعًا وممارسة.
من جانبه يقول أيوب وهو طالب في جامعة محمد الخامس بالرباط: "أشارك في مختلف المظاهرات، وأعتبر أن العمل الحزبي مدرسة تكسب الشباب الخبرة الكافية التي يحتاجها (..) الواقع اليوم يفرض علينا التحلي بديناميكية أكبر لا الاستكانة للسلبية".
ولا يتغيب أيوب عن حضور أي نشاط ينظمه شبيبة الحزب الذي ينتمي إليه، يلتحف وشاحاً فلسطينياً، ويبدو معنياً بالحرص على متابعة كل ما استجد من أخبار على هاتفه المحمول.
في المغرب وعلى غرار باقي البلدان العربية التي شهدت حراكاً شعبياً مع بداية "الربيع العربي"، الذي قادته "نخبة شابة متحررة من وصاية الأحزاب السياسية والنخب المثقفة"، خرجت تظاهرات حركة 20 فبراير/ شباط الشبابية للمطالبة بالإصلاح، تلاها إعلان العاهل المغربي عن إصلاحات دستورية وانتخابات تشريعية مبكرة قادت لأول مرة حزب العدالة والتنمية "الإسلامي" إلى رئاسة الحكومة المغربية.
وعاد بعد كل هذه التطورات إلى الواجهة موضوع الشباب وانخراطه في الحياة السياسية بعد ما وصفه مراقبون بعهد عزوف الشباب وعدم اكتراثه بالنقاش السياسي الوطني.
ونص التعديل الدستوري الذي صادق عليه المغاربة مطلع يوليو/ تموز عام 2011 في الفصل 33 على إحداث مؤسسة دستورية هي "المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي" وذلك من أجل دعم مشاركة الشباب في الحياة السياسية.
ويتوقع أن تعمل الحكومة المغربية على تفعيل هذه المؤسسة الدستورية الجديدة على أرض الواقع خلال العام المقبل، غير أن الكاتب الصحفي محمد أحداد (23 سنة) يقول لمراسلة الأناضول إنه "من غير المتوقع إنشاء المجلس الاستشاري للشباب في أفق 2013 وذلك لانشغال الحكومة بملفات ذات أولوية كبرى كتدبير الأزمة الاقتصادية وترسيم اللغة الأمازيغية ".
واعتبر أنه حتى في حال "إنشاء هذا المجلس فإن دوره لن يكون ذا فاعلية، لأن المشكلة تقترن بتقليات المشهد السياسي والحزبي الموسوم بالغموض بالنسبة للنخب الشابة".
وأضاف أحداد أن "القيادات الحزبية أضحت مطالبة بتجديد هياكلها وإدماج الشباب داخلها والبحث عن استراتيجيات جديدة تغري الشباب بالانشغال بقضايا الشأن العام".
وكان البنك الدولي في آخر تقاريره خلال السنة الجارية حول وضعية الشباب بالمغرب أشار إلى أن الحراك الذي شهده المغرب جاء في "ذروة الطفرة الشبابية من الناحية السكانية".
في المقابل أشار البنك إلى أن "ما يعادل نصف الشباب بالمغرب والمتراوحة أعمارهم ما بين 15 و29 سنة يفتقرون إما لعمل أو لمقعد دراسي".
وقال الناشط الجمعوي والمستشار في قضايا التنمية "نوفل الحمومي" (25 سنة) لمراسل لأناضول إنه "بعد المظاهرات التي عرفها المغرب في 20 فبراير/ شباط 2011 عاد الشباب ليعي أهمية دوره في تغيير السياسات العامة، وقدرته على التأثير السياسي المباشر".
وأضاف أن "الاهتمام اليوم يجب أن ينصب على تطوير الثقافة السياسية لدى الشباب وإشراكه في صنع القرار".
وأجمع عدد من الشباب استطلعت الأناضول آراءهم أن سنة 2013 ستكون مهمة من أجل تعزيز مشاركة الشباب السياسية، خاصة أنها "سنة الاستحقاقات الانتخابات المحلية"، ما اعتبروه محطة "اختبار حاسمة" لالتزام الأحزاب السياسية بإشراك الشباب.
وتظل أزمة البطالة أبرز المشاكل – حسب عدد من الشباب الذين استطلعت الأناضول آراءهم - التي تواجه الشباب المغربي والتي قدرت نسبتها المندوبية السامية للتخطيط بالبلاد (هيئة إحصائية رسمية) بـ 9.8 في المائة، فيما يواصل بشكل شبه يومي أعداد من العاطلين عن العمل من حاملي الشواهد العليا التظاهر أمام البرلمان المغربي للمطالبة بتوفير فرص للعمل.
أما "أنس" (22 سنة) الطالب الجامعي فينهي تصفح كتابه، وعندما يتهيآ للمغادرة، تستوقفه ملصقات على باب المكتبة، واحدة هي دعوة لتظاهر في يوم تضامن عالمي، واخرى لندوة، يطيل الوقوف أمامها يطالع عناوينها والهيئات الداعية إليها، يلقي نظرة عابرة على لائحة علقت عليها لوائح مواعيد الامتحانات الفصلية، ثم يمضي.