تصوير - مصطفى حسونة
هداية الصعيدي
غزة – الأناضول
اشتركوا جميعاً في لحظة ميلادهم الجديدة بعد أن خرجوا من "قبور الأحياء" التي سلبتهم زهرات شبابهم واليوم يحتفلون بها معاً.
فقبل 14 شهراً من اليوم تحركت عقارب الساعة لديهم بعد وقوفها لسنوات طويلة معلنةً بدء الحياة ومسؤولياتها وصخبها والسعي إلى تحقيق الذات.
إنهم الأسرى المحررون من سكان الضفة الغربية، الذين أفرجت عنهم إسرائيل ضمن صفقة تبادل الأسرى مع حركة حماس بوساطة مصرية في أكتوبر/ تشرين الأول 2011، لكنها اشترطت إبعادهم إلى قطاع غزة.
الأسير المحرر منصور ريان، من مدينة نابلس والمبعد إلى قطاع غزة، لم تسعفه الكلمات في وصف سعادته بنيله للحرية، فهو يشعر أنه بُعث من الأجداث بعد عشرين عامًا قضاها في الأسر.
يقول ريان: "أحمد الله الذي أكرمني بالإفراج بعد أن حكم عليّ مدى الحياة فقد شعرت أنني ولدت من جديد ومازلت على قيد الحياة".
"ريان" يعمل منذ أن أطلق سراحه محاضراً بنظام الساعات في جامعة الأمة بغزة ومركز التعليم المستمر في الجامعة الإسلامية، وأنهى عدداً من الدورات في مجالات مختلفة، إضافة إلى أنه أدى فريضة الحج وتزوج بفتاة من غزة ورُزق قبل أسابيع بابنه البكر.
ويرى "ريان" أن إعداده لنفسه أثناء وجوده في الأسر ليوم الحرية ساعده في تحقيق إنجازاته؛ فقد أنهى داخل السجن الثانوية العامة ثم حصل على البكالوريوس في الإعلام والشأن الإسرائيلي، وبكالوريوس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، والماجستير في النظم الديمقراطية المتعددة، وتعلم اللغات العبرية والإنجليزية والروسية وقرأ آلاف الكتب.
وأوضح أنه أسس حياته خلال هذا العام وأنجز أكثر مما أنجزه خلال عشرين سنة من الأسر، واصفاً حياة السجن بالثبات فاليوم ذاته يتكرر بتفاصيله على مدار السنوات.
"ريان"، كان اسمه ضمن الـ18 أسيرًا المفترض عودتهم إلى الضفة الغربية، (من بين شروط الصفقة أن يعود 18 أسيرًا إلى الضفة بعد عام من إتمامها)، لكنه رفض العودة "على مضض وألم"؛ لأنه "لم تقدم له ضمانات بألا يتم اعتقاله ثانية أو ألا تعود زوجته وابنه إلى القطاع"، بحسب قوله.
وتمت الصفقة التي أبرمت بين حركة المقاومة الإسلامية حماس وإسرائيل في 18 من أكتوبر/ تشرين الأول 2011 وأفرج بموجبها عن 1027 أسيراً فلسطينياً مقابل جلعاد شاليط وهو جندي إسرائيلي كان أسيراً لدى حركة حماس.
أما الأسير المحرر والمبعد من مدينة الخليل عمر أبو سنينة فلم يُرد أن يكون عالة على أحد أو يركن للراحة فافتتح معرضاً للسيارات قائلاً: "أنشأت المعرض بإرادة الله وبمساعدة قريب لي واخترت هذا العمل لحبي في هذا المجال، ورغم أن لكل عمل صعوباته، ولكن بتوفيق الله وإرادتي أتغلب عليها فقد أثبت نجاحي ومشروعي يسير بشكل جيد".
"أبو سنينة"، الذي صدر بحقه أحكام وصلت عقوباتها إلى السجن 90 عامًا وقضى منها 10 سنوات، يصف مشاعره حاليًا بأنها "فرحتان، فالأولى فرحة الحرية التي لا توصف بكلمات، والثانية أن رزقه الله بطفلته الأولى قبل أيام".
وشكر الله أولاً ثم "المقاومة" التي حققت هذه "الصفقة المشرفة" وطالبها بالمزيد من العمليات وأسر الجنود حتى يتحرر جميع الأسرى.
بينما الأسير المحرر حمودة صلاح تمكن من افتتاح مشروعه "مطعم النابلسي" بغزة منذ خمسة أشهر والذي يلقى إقبالاً من المواطنين، فقد كان يمتهن صناعة العصائر والأكلات النابلسية قبل الأسر ومع ذلك لم يخطط لإنشاء مطعم قط قبل الإفراج عنه.
ويقول صلاح: "فكرة المشروع كانت عابرة وأردت من خلالها أن أقول للعدو نحن بين أهلنا ولسنا ضائعين، ورغبت بالاستقرار المادي والاجتماعي بدلاً من المكوث مكبلاً في البيت فالعمل يصنع للإنسان كيانه"، مشيراً إلى أنه يرغب في تطوير مطعمه ليلبي رغبات الجميع.
ولا يعتبر صلاح "يوم الإفراج عنه ذكرى بقدر ما هي مناسبة تعيش في كل جزء من حياته، فبفضل الله ثم المقاومة ورباطها وصبرها أبصر النور وكتب الله لنا الحياة من جديد بعد سنوات في القبور"، حسب قوله.
وينتظر المحرر من مدينة نابلس، والذي حُكم عليه بالسجن 22 عاماً قضى منها 12 عاماً بفارغ الصبر مولوده البكر لتكتمل بقدومه فرحته.