هاجر الدسوقي
القاهرة - الأناضول
اتفق خبراء عرب على أن دول الربيع العربي تخطو خطوة أولية نحو عملية إصلاح سياسي شامل من خلال صياغة دساتير جديدة، إلا أن الواقع العربي لا يسير على وتيرة واحدة في صياغة الدساتير، حيث هناك دول تحتاج إلى تغييرات دستورية عميقة وهي الدول التي كانت دساتيرها من أجل مصالح الحكام فقط، بينما يكفى بعض الدول تغييرات جزئية.
وفي تصريحات خاصة للأناضول، أرجع هؤلاء الخبراء العرب من دول مختلفة (المغرب، والأردن، والسعودية، ومصر) عدم اتجاه دول الخليج العربي إلى صياغة دساتير جديدة إلى استنادهم على دعامتين أساسيتين هما: الأسر الحاكمة ووفرة الموارد الاقتصادية، مشددين على أن هذه المعادلة ستتغير في حال وجود حراك ثوري في هذه الدول، أو تراجع إحدى هاتين الدعامتين.
ميلود بلقاضي، المحلل السياسي وأستاذ علم السياسة والتواصل بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، اعتبر أن "بلدان الربيع العربي تشهد مرحلة الإصلاحات الدستورية"، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن هذه الإصلاحات سيكون لها تأثيراتها الواضحة على المشهد السياسي بعد فترة طويلة.
غير أن بلقاضي شدد على أن "الدول العربية لا يمكن لها أن تغير الواقع بنصوص القانون، وإنما يجب توافر المناخ السليم لتنفيذ تلك القوانين وضرورة توافر الإرادة السياسية، حتى تثمر الدساتير الجديدة عن عمليات إصلاح سياسي حقيقية".
واعتبر أن "بلدان الربيع العربي تمارس الآن تمرينًا دستوريًا سيتحول مع الوقت إلى تمرين استقراري ثابت، عندما يتجه الإصلاح السياسي لخدمة المجتمع"، مشيرًا إلى أن "فصول الدساتير العربية في حاجة لقوانين تنظيمية، إضافة لتأهيل من ينفذ تلك القوانين وكيف ينفذها".
وبدأت بلدان الربيع العربي في تغيير دساتيرها بشكل كامل، مثل مصر التي انتهت مؤخراً من إقرار الدستور، بينما تزال ليبيا وتونس واليمن في مرحلة صياغة الدستور أو الإعداد لها، في حين فضَّلت بعض الدول التعديلات الدستورية الجزئية فيما يخص مطالب شعوبها بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وعلى رأس هذه الدول المغرب والبحرين والأردن.
وحول تباين الظروف من دولة لأخرى بشأن إقرار تعديلات دستورية شاملة أو جزئية، اعتبر بلقاضي أن الواقع العربي لا يسير على وتيرة واحدة في صياغة الدساتير؛ "لأن هناك دول عاشت تحت ديكتاتورية دستورية حيث منحت حكامها صلاحيات واسعة مثل الجزائر ومصر، وهي تحتاج إلى إصلاحات شاملة".
وعلى الناحية الأخرى، يضيف بلقاضي، "هناك دول تحتاج إلى تعديلات دستورية جزئية مثل المغرب في حين هناك دول تحتاج لتعديلات دستورية عميقة مثل العراق وسوريا".
وبالنسبة للتعديلات الدستورية في بعض دول الخليج، رأى أن "دول الحليج بعيدة عن الإصلاح الدستوري؛ لأنها بطبيعة الحال معفية حالياً من الحراك العربي لقوتها الاقتصادية ولضعف الكثافة السكانية بها".
من جانبه اعتبر جواد الحمد، الخبير الإستراتيجي ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط في العاصمة الأردنية عمان أن "الإصلاح السياسي في بلدان الربيع العربي يبدأ بكتابة الدستور"، مشيراً إلى ضرورة إجراء "تغييرات جذرية في جميع دساتير بلدان الربيع خاصة أن دساتير الأنظمة القديمة لم تعرف الحريات العامة أو المواطنة في موادها كالعراق وسوريا، وكرست فقط لصلاحيات الرئيس وتفويضه بكل شيء".
الحمد بدا متفائلاً بمستقبل بلدان الربيع العربي بعد صياغة دساتيرها الجديدة، قائلاً: "خلال 4 سنوات من الانتهاء من كتابة الدستور وتشكيل مجالس نيابية سيتحقق قدر هائل من الاستقلال في دول الربيع العربي، وستضاهي في تنميتها البرازيل وماليزيا".
خليل الخليل، محلل سعودي وأستاذ جامعي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وصف توجه البلدان العربية نحو كتابة الدساتير بـ"الضروري الذي يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية خاصة بعد ما عاشت شعوب تلك البلدان قرونًا طويلة بلا دساتير مكتوبة تحدد حقوقهم والعلاقة بينهم وبين الحكام".
وأضاف الخليل أن "كتابة الدساتير في دول الربيع العربي تحتاج إلى أن تُؤخذ بجدية خاصة أن صناعتها أكثر تعقيداً من الأعمال الروتينية التي تقوم بها الدولة، كما يجب ألا تكون دساتير مؤقتة تكتب لظروف عاجلة دون النظر إلى الأسس الحضارية التي تمكن الشعوب من نيل حقوقها".
ورأى أن "كتابة الدساتير تواجه تحدياً من نوع آخر حيث أخذت أساليب كتابتها منحنى لصالح أحزاب يهمها مصالحها السياسية أكثر من الشعوب، وكذلك صفوف المعارضة التي تسعى حالياً إلى تسجيل مواقف عابرة نكاية في الطرف الآخر".
ويتفق خليل مع بلقاضي بشأن خيار الدول العربية في القيام بتعديلات دستورية شاملة أو جزئية، حيث قال إن الوضع يختلف من دولة لأخرى، مشيرًا إلى أن الحاجة لتعديلات دستورية أمر مفهوم لكن أيضًا من الضروري "عدم سلق هذه التعديلات"، أي إعدادها على عجل بدون دراسة.
ويخلص خليل إلى أن الدساتير الجديدة تشكل "مرحلة أولية لا تحقق الطموح الكافي للشعوب".
وعن الوضع بدول الخليج، اعتبر أن "الاستقرار السياسي بها لا يرجع إلى الدساتير، لكن إلى دعامتين أساسيتين، هما الأسر الحاكمة بما لها من تاريخ وتقاليد وعلاقات وإلى وفرة الموارد الاقتصادية، مشيراً إلى أن "المعادلة ستتغير بحسب الحالة التي تكون عليها الأسر الحاكمة اختلافاً واتفاقاً أو تمزقاً وتماسكاً، أو في حالة تغيير الموارد الاقتصادية، لذا تبقى هذه الدول في حاجة إلى دساتير تحسباً لأى هزات عنيفة".
عاطف البنا، الفقيه الدستوري المصري رأى بدوره أن "الدول العربية تحتاج إلى تعديلات دستورية بنسب مختلفة، حيث أن وضع الدساتير فيها متوقف على نظامها السياسي ومدى قوة الحركة الشعبية"، مشيراً إلى دول الربيع العربي قامت على أنقاض نظم حكم مستبدة وبالتالي تحتاج إلى تعديلات أعمق من غيرها.
وبحسب البنا، فإن دول الربيع العربي لديها فرصة أكبر في إجراء تعديلات جذرية في دساتيرها مثلما فعلت مصر؛ لأن مدى ديمقراطية الدستور تعتمد على النضج السياسي لدى الشعب وكذلك تهيئة الأجواء العامة لتقبل دستور ديمقراطي.
ولفت البنا إلى حاجة دول الخليج العربي إلى الدساتير قائلا: "دول مجلس التعاون الخليجي في حاجة ملحة للدساتير، قبل أن تنتقل إليها عدوى الثورات من الربيع العربي، خاصة مع انتشار التوجهات الشعبية داخل هذه الدول للمطالبة بحقوق المواطنين".
news_share_descriptionsubscription_contact
