حمدي الحسيني
جوبا- الأناضول
"الجمهورية"، "الاستقلال"، "9 يوليو"، "المصير" و "الحرية".. كلها صحف ناطقة بالعربية صدرت في مدينة جوبا عاصمة دولة جنوب السودان عقب استقلالها العام الماضي.
غير أن أغلب هذه الصحف لم تستطع مواجهة الظروف الصعبة التي تعيشها الدولة الوليدة، مما أدى إلى توقف أغلبها، باستثناء "المصير" التي تصدر بانتظام في عدد محدود من الصفحات على طريقة "التابلويد" (الحجم النصفي).
مراسل الأناضول زار مقر "المصير" ورصدت معاناة رئيس تحريرها والمشكلات التي تعيق عمل محرريها وكتابها.
"ميثيانق شرلو" رئيس تحرير جريدة المصير، قال لمراسل الأناضول: "تواجهنا تحديات مركبة تهددنا كل يوم بالتوقف وعدم الصدور، فهناك صعوبات تتعلق بالجوانب السياسية وأخري فنية واقتصادية تتعلق بالتمويل والطباعة".
يضيف شرلو أنه "رغم أننا نستعد للاحتفال بعيد ميلاد الصحيفة الثاني، إلا أن حجم قضايا السب والقذف المرفوعة ضدنا من جانب كبار المسئولين بالدولة والحركة الشعبية (الحاكمة) في تزايد مستمر خاصة غير المقتنعين بحرية الصحافة والرافضين للنقد".
ويشير إلى أن "الدستور الانتقالي الحالي نص على أن اللغة الرسمية للدولة هي الإنجليزية ضارباً بعرض الحائط أن أغلب سكان جنوب السودان يتحدثون العربية، إلي جانب لهجاتهم القبلية المحلية ومن ثم فإن اللغة العربية هي السائدة بين عموم الناس".
ويلفت شرلو إلى أن "هذا النص سوف ينعكس علي العاملين في الصحافة العربية بالسلب، لأن المسئولين الحكوميين عندما يعقدون مؤتمراً صحفياً أو يصدرون بياناً يكون باللغة الإنجليزية، وأغلب الصحفيين الذين تربوا وتعلموا في الخرطوم لا يجيدون سوي العربية وبالتالي يحتاجون لترجمة كل ما يقال في تلك المؤتمرات".
أما المشكلة الأكثر تعقيداً بحسب شرلو، هي عدم توافر مطبعة في الجنوب، حيث يضطر إلي طباعة الصحيفة في العاصمة السودانية، وعندما حدثت أزمة وتصاعدت المشكلات مع جنوب السودان مؤخراً، تم وقف طباعتها، واضطرر إلى اللجوء إلى أوغندا لطباعة الصحيفة يومياً، مما ضاعف من الضغوط والمعاناة التي تواجهه.
في الاتجاه نفسه يقول ريالك أودج الصحفي بجريدة "9 يوليو" لمراسل الأناضول: "أصبحت عاطلاً عن العمل حاليا بعد وقف الصحيفة بسبب ضعف التمويل وعدم توافر مطبعة في جوبا، وتم حرماننا من متعة ممارسة العمل الصحفي الذي نعشقه".
ويضيف أن "وقف هذه الصحف يمثل عائقاً على اللغة والثقافة العربية من الانتشار في الجنوب".
ويقترح ريالك أن تتبني بعض المؤسسات الإعلامية العربية رعاية وتدريب المحررين الجنوبيين، وتزودهم بالخبرة اللازمة ليتمكنوا من مواصلة عملهم الصحفي باللغة العربية التي يجيدونها ويتقنون القراءة والكتابة بها.
أما غبريال هليري كاتب بصحيفة الاستقلال يرى أن أزمة الصحافة الناطقة بالعربية في جوبا "مقصودة من بعض الجهات الحاكمة بسبب عدائها التاريخي لحكومة الخرطوم، مما جعلها تنفر من كل ما يمت لها بصلة حتى لو كانت اللغة العربية".
ويشير هليري إلى أن "هدف هذه الجهات الرئيسي هو عرقلة صدور الصحف العربية، ووضع العقبات في طريقها حتى تتعثر وتختفي لتصبح الساحة الفكرية والثقافية في جنوب السودان مفتوحة أمام الصحافة الناطقة بالإنجليزية وحدها، لأن استمرار صدور صحف عربية في الجنوب سوف يسحب البساط من باقي الصحف غير العربية".
ميري صمئيل الكاتبة في صحيفة المصير تقول إن "عدم حماس الحكومة الحالية لكل ما هو عربي أدى إلى تدهور أوضاع الصحف والصحفيين بدرجة كبيرة، ساهم في ذلك عدم وجود اطار قانوني أو نقابي يحمي حقوقهم، ويساعدهم على حث الحكومة لحل مشكلاتهم أو حتى وضعها في الاعتبار".
وتتفق كيجي جادين من الصحفية نفسها مع صمئيل في أن هناك حالة رفض رسمي للصحافة العربية، في المقابل يعاني سوق الصحافة من العطش لمزيد من الصحف العربية، لتحقق الرغبة لدي الجنوبيين في المعرفة والتواصل مع محيطهم العربي.
وتأسست دولة جنوب السودان عندما انفصلت عن باقي السودان في استفتاء شعبي لسكان الجنوب أعلن عن نتائجه النهائية في فبراير/ شباط 2011، وتم الإعلان عن استقلال كامل للدولة في 9 يوليو/ تموز 2011.
يشار إلي أن أغلب الجنوبيين يجيدون التحدث والتفاهم باللغة العربية إلي جانب الإنجليزية ولغات محلية أخري تتبع كل قبيلة، لكن بعد الاستقلال قررت الحركة الشعبية الحاكمة حالياً اعتبار الإنجليزية هي اللغة الرسمية لدولة جنوب السودان.