ربا دهمان
تصوير: مصطفى حسونة
غزة-الأناضول
حينما وُضع مخطط مدينة غزة الحديث، بداية القرن الماضي، اعتقد المهندسون القائمون عليه، أنه سيكون لمدينة ساحلية صغيرة هادئة، شأنها شأن مدن العريش وحيفا ويافا وعكا.
لكنهم لم يعرفوا ماذا كان يخبأ القدر لهذه المدينة التاريخية العريقة، والتي اضطرت عقب حرب 1948 وإعلان قيام دولة إسرائيل في نفس العام، إلى استيعاب أعداد هائلة من الفارين من المذابح التي ارتكبتها العصابات الموالية لإسرائيل.
كما اضطرت المدينة عقب توقيع اتفاقية أوسلو، وإنشاء السلطة الفلسطينية عام 1994 إلى استيعاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين العائدين، من الشتات من كافة بقاع العالم.
واليوم بعد مرور قرابة 64 عاما على ما عرف تاريخيا بنكبة فلسطين، و19 عاما على اتفاقية أوسلو، تئن شوارع المدينة وأحياءها من ثقل الأعداد الهائلة من السكان، والتي جعلتها من أكثر بقاع العالم ازدحاما، قياسا بمساحتها الصغيرة.
وقد تسبب هذا الأمر، بمشاكل مرورية صعبة، تزيد من معاناة السكان، الذي يواجهون الفقر والحصار، وقلة والموارد، وانعدام البنى التحتية.
يقول رفيق مكي، رئيس بلدية غزة، إن مدينة غزة- كبرى مدن القطاع- غير مؤهلة لاستيعاب عدد كبير من السكان الأمر الذي جعل مناطق عديدة كالأسواق والبلدة القديمة لا تتحمل هذه الزيادة، والتي نجم عنها الازدحام المروري.
وتابع مكي يقول لوكالة الأناضول للأنباء:" عدد السيارات في المدينة أصبح يفوق قدرة شوارع المدينة على التحمل، مما دفع البلدية في الماضي إلى شق شوارع جديدة، وإزالة بعض المباني وتوسيع الشوارع" .
وتابع مكي:" غزة تحتاج للكثير من الإجراءات للتخفيف من هذا الازدحام، وهو الأمر الذي يتطلب إمكانيات وموارد غير متوفرة، كخفض أعداد السيارات الخاصة، وتوفير مواصلات عامة وحافلات وقطارات، وتشييد جسور، وشق أنفاق، وإيجاد مواقف كبيرة للسيارات".
وعن إجراءات البلدية الهادفة إلى التخفيف من الازدحام المروري، يقول مكي:" نعمل على توسيع الكثير من الشوارع، وشق شوارع جديدة وفق الامكانيات المحدودة المتاحة لنا".
من جانبه يوضح خليل الزيان الناطق باسم وزارة المواصلات أن الازدحام المروري يعود إلى أن "مدينة غزة قديمة بتصميماتها، حيث لم يتم تطويرها في حين تزداد الكثافة السكانية بشكل متواصل".
وأضاف يقول لوكالة الأناضول:" شوارع هذه المدينة بحاجة للتطوير، وإصلاح البنية التحتية المدمرة يحتاج إلى ميزانيات ضخمة".
ورأي أن حل مشكلة الازدحام المروري يبدأ بـ "رفع مستوى الوعي المروري لدى السكان"، و"إصلاح الإشارات الضوئية المتعطلة"، و"تطوير البنية التحتية التي تحتاج أولا إلى رفع الحصار الإسرائيلي عن غزة وتوفير دعم خارجي من أجل تعبيد الشوارع والطرق وتطويرها".
وقد أقدم الجيش الإسرائيلي خلال هجومه على قطاع غزة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، على تدمير الشارعين الرئيسيين اللذين يوصلان مدن قطاع غزة بعضها ببعض، وهما شارع "صلاح الدين، وشارع البحر".
وتسبب هذا بتفاقم مشاكل المرور، وإعاقة السكان وخاصة الطلبة والموظفين عن أعمالهم.
كما يتسبب الزحام بمشاكل كثيرة للسائقين والسكان على حد سواء، حيث يقول السائق يوسف نصار: "نعاني من الازدحام الخانق بسبب تدمير قوات الاحتلال لشارع وادي غزة الرئيسي الواصل بين مدينة غزة وجنوب القطاع، وعدم تخطيط الشوارع وعدم تشغيل إشارات المرور".
ويضيف:" تضيع ساعات كثيرة من وقتنا بسبب الزحام، وهو ما يقلل من أرباحنا خلال العمل، ويجعلنا عاجزين عن تسديد رسوم التأمين والترخيص".
أما الطالبة الجامعية شذا زنداح فتؤكد على أن الزحام، يجعلها تصل متأخرة على محاضراتها، بالإضافة إلى عودتها لمنزلها في وقت متأخر أيضا.
والموظفون ليسوا بأفضل حال من الطلاب، فمحمد البهتيمي يشير إلى أنه "يصارع الوقت يوميا للوصول في الموعد المحدد إلى وظيفته".
ويكمل:" نضطر للتأخر عن العمل، ونحاسب أيضا على هذا التأخير".
بدوره يرجع الخبير الاقتصادي، معين رجب، أسباب الزحام إلى "ضيق الشوارع والازدياد الكبير في أعداد السيارات وعدم التدريب الكافي لرجال الشرطة المتواجدين في مناطق الازدحام كالمدارس والجامعات, وعدم وجود إشارات مرورية بسبب الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي جراء الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة".
ويضيف للأسباب كذلك "عربات النقل الحيوانية التي لا تجد أماكن مخصصة لسيرها وتعيق حركة المرور"، وكذلك "الدراجات النارية التي تتسبب في كثير من الحوادث".
واسترسل رجب:" معظم الشوارع غير جاهزة لسير المركبات بسبب تدمير البنية التحتية من قبل الاحتلال الإسرائيلي فمنذ حرب عام 2008 والشارع الشرقي الذي يربط مدينة غزة بشمال القطاع مدمر وغير جاهز لسير المركبات".
ونوه رجب إلى ضرورة تجهيز سوق مخصص و مجهز بكافة الإمكانيات تعرض من خلاله البضائع للباعة المتجولين الذين لهم نصيب الأسد في تفاقم مشكلة الازدحام المروري، فكل الشوارع مستباحة لهم حتى المارة لا يستطيعون السير في أماكنهم المخصصة على الأرصفة و اضطرارهم للمشي في الأماكن المخصصة للسيارات، و تعطيل حركة السير.
وقطاع غزّة هو المنطقة الجنوبية من الساحل الفلسطيني على البحر المتوسط، وهي على شكل شريط ضيق شمال شرق شبه جزيرة سيناء المصرية، بمساحة تقدر بـ 360 كم مربع.
وحسب تقارير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2010، فإن عدد المركبات في قطاع غزة يبلغ قرابة 70 ألف مركبة، 64% منها ﺴﻴﺎﺭﺍﺕ ﺨﺎﺼﺔ، بينما تبلغ ﻨﺴﺒﺔ ﺍﻟﺸﺎﺤﻨﺎﺕ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺘﺠﺎﺭﻴﺔ 18.8%، ﻤﻥ ﻤﺠﻤﻭﻉ المركبات.
ويفتقر قطاع غزة إلى وسائل النقل العمومية، كالقطارات والحافلات الكبيرة، ويعتمد السكان بشكل خاص على سيارات الأجرة، حسبما تؤكد مراسلة وكالة الأناضول.
وفي إحصائية أعلنتها وزارة الداخلية أبريل/نسيان الماضي، بلغ عدد سكان القطاع مليونا وسبعمائة ألف نسمة، بينهم أكثر من 200 ألف مولود جديد ولدوا خلال الأعوام الأربع الماضية.
ويخضع قطاع غزة لحصار خانق فرضته إسرائيل منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في صيف 2007، نتج عنه زيادة نسبة الفقر والبطالة.
news_share_descriptionsubscription_contact
