تونس/ عادل الثابتي/ الأناضول
المدير السابق لمجلة دراسات دولية بتونس، كمال بن يونس:
يرى خبراء أن التوتر المتصاعد على الحدود بين مالي وموريتانيا منذ العام 2024 لا يقتصر على حوادث أمنية عابرة، بل يعكس تراكمات بنيوية معقدة ترتبط بغياب ترسيم الحدود، وتداخل المجال الرعوي والإثني، وتصاعد التنافس الإقليمي والدولي في منطقة الساحل.
وفيما يعتبر بعضهم أن هذه التوترات امتداد لنزاعات قديمة مرتبطة بإرث الاستعمار وحدود "الدولة الوطنية" في مناطق صحراوية مفتوحة زاد من حدتها دخول فاعلين جدد إلى المشهد، استبعد آخرون أن تتحول إلى مواجهة واسعة، مرجحين بقاءها في إطار الاحتكاكات المحدودة رغم مخاطرها الأمنية والاقتصادية.
وتشهد الحدود بين مالي وموريتانيا توترات متزايدة، على خلفية تقارير تتحدث عن توغلات للقوات المالية بدعم من حلفائها في موسكو، ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وتدمير منشآت حيوية داخل الأراضي الموريتانية.
وفي الوقت ذاته، تؤكد باماكو أن هذه العمليات تندرج ضمن جهود مكافحة الإرهاب، بينما تعتبرها نواكشوط انتهاكات تمس سيادتها.
وخلال العامين الماضيين، سُجلت حوادث متكررة في مناطق حدودية مثل مد الله وفصالة (بموريتانيا) وغارغاندو وتين أنداندا (بمالي)، شملت – وفق تقارير محلية – عمليات قتل ونهب وتدمير نقاط مياه.
وفي 20 مارس/ آذار الماضي، اختُطف راعيان موريتانيان في منطقة ياكنا قبل الإعلان عن مقتلهما، تلا ذلك بعد أيام مقتل خمسة مدنيين بولاية الحوض الغربي، ما دفع موريتانيا إلى استدعاء سفير مالي عدة مرات للاحتجاج.
بالتوازي، تواجه مالي تحديات أمنية واقتصادية متزايدة، خاصة بعد حصار قوافل الوقود الذي فرضته جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" منذ سبتمبر/ أيلول 2025.
المدير السابق لمجلة دراسات دولية بتونس كمال بن يونس، يرى أن خلفيات التوتر تتجاوز الخلافات الحدودية الظرفية، في بلدان إفريقيا عموما والمستعمرات الفرنسية السابقة بصفة أخص.
ويقول للأناضول إنها "ترتبط بصراع أعمق حول شرعية الحدود التي رسمها الاستعمار الأوروبي عقب الحرب العالمية الثانية".
ويشير إلى أن هذه الإشكاليات برزت منذ استقلال دول المنطقة في ستينات القرن الماضي، حيث لم تُنهِ الحدود السياسية الجديدة التداخل الاجتماعي والاقتصادي بين القبائل والمجتمعات المحلية، خصوصا في المناطق الصحراوية المفتوحة.
ويضيف بن يونس: "بحكم دخول لاعبين دوليين منذ أعوام في الصراعات بين دول الساحل والصحراء تعقدت بعض الخلافات الثنائية بين موريتانيا ومالي من جهة ودول إقليمية أخرى".
ويمضى قائلا: "أهمية هذه الخلافات ازدادت بعد تزايد التنافس الفرنسي الأمريكي الروسي الصيني على المنطقة وثرواتها لاسيما بعد اكتشاف مواد خام ومحروقات في موريتانيا".
ويعتبر بن يونس أن هذه التوترات قد تؤثر ظرفيا على الاستقرار الأمني في غرب إفريقيا، لكنها ستبقى محدودة زمنيا، في ظل تحركات دولية لاحتواء أزمات المنطقة.
كما يلفت إلى محدودية دور الاتحاد الإفريقي في فرض حلول، مقارنة بتأثير بعض الدول في المنطقة.
** عدم ترسيم الحدود وتداخل اثني
من جانبه، يقول الخبير الأمني الموريتاني سليمان الشيخ حمدي إن خلفية التوتر "متشعبة"، بسبب عدم ترسيم الحدود ووجود مزيج من القبائل والمجموعات الإثنية المتداخلة على جانبيها.
ويضيف أن طبيعة الاقتصاد الرعوي جعلت الحدود مفتوحة تاريخيا، حيث يتنقل السكان بين البلدين للتزود بالمواد الغذائية وممارسة أنشطتهم.
ويعتبر الشيخ حمدي أن المشهد تغيّر مع تصاعد التوترات الأمنية وظهور عناصر جديدة، مثل شركة "فاغنر" الروسية والجماعات المسلحة، ما أضاف تعقيدات جديدة للوضع الحدودي.
ويشير إلى صعوبة التمييز بين المدنيين والمسلحين في بعض الحالات، خاصة مع ارتباط بعض الجماعات المسلحة بامتدادات إثنية عابرة للحدود.
ويقول الشيخ حمدي إن الوضع الداخلي في مالي قد يدفعها أحيانا إلى نقل أزماتها نحو الحدود، في ظل ضغوط أمنية متزايدة.
في المقابل، يشير إلى أن موريتانيا تتبع سياسة "ضبط النفس" لتجنب الانجرار إلى تصعيد، رغم الانتقادات الداخلية، حفاظا على استقرارها.
** التدخل الروسي
وفيما يتعلق بالدور الروسي، يوضح الشيخ حمدي أن موسكو عززت حضورها في مالي بعد تراجع الدور الفرنسي، عبر مجموعات مثل "فاغنر"، التي شاركت في العمليات العسكرية.
ويرى أن هذه الاستراتيجية حققت نتائج أولية، لكنها تراجعت لاحقا مع تعقّد الوضع الميداني وتراجع الدعم الروسي إبان الحرب على أوكرانيا.
وفيما يخص دور الاتحاد الإفريقي في حل الأزمة، يقول إن "الاتحاد الإفريقي ليس له دور فعلي في الأزمة، إذ يظل أضعف من أن يفرض حضوره في مثل هذه الملفات، خاصة أنها قديمة ومتجذرة في صلب النسيج السياسي والجيوستراتيجي للمنطقة".
من جهته، يرى الباحث في العلاقات الدولية بشير الجويني أن التوتر الراهن ليس ظرفيا، بل نتيجة تراكمات بنيوية وأمنية عميقة، تتلخص في 3 أبعاد، الأول: غياب الترسيم الحدودي، ما يخلق مناطق رمادية يُفسر فيها كل طرف تحركات الجيش الآخر بشكل متعارض.
والثاني، بحسب الجويني، هو "تداخل المجال الرعوي مع المقاربة الأمنية، إذ يضطر الرعاة الموريتانيون لاجتياز الحدود بحثا عن المراعي في موسم الجفاف، بينما تفرض باماكو حظرًا على الترحال الرعوي الأجنبي منذ سبتمبر 2025، ما يؤدي إلى احتكاكات دامية موثقة".
والبعد الثالث يتمثل في المنافسة الإقليمية على النفوذ، حيث تأتي حوادث التوغل المتكررة في سياق تصعيد دبلوماسي أوسع، مرتبط بإعادة ترتيب التحالفات في المنطقة.
ويؤكد الجويني أن تحديد الحقيقة في الحوادث الحدودية يبقى صعبا، في ظل روايتين متعارضتين: الأولى مالية تؤكد أن العمليات تتم داخل أراضيها، والثانية موريتانية تستند إلى شهادات ميدانية وتقارير عن انتهاكات بحق مدنيين.
وحول مخاطر التوتر، يقول الجويني إنها "تتجاوز بكثير الإطار الثنائي المالي-الموريتاني، وتتوزع على أربعة مستويات؛ أولها فتح جبهة نزاع جديدة من شأنها استنزاف الموارد وصرف الانتباه عن الحرب المشتركة ضد الجماعات العنيفة والمتطرفة الناشطة في كلا البلدين".
ويضيف أن "المستوى الثاني يتمثل في تهديد حركة التجارة وسلاسل الإمدادات، حيث يُعد ميناء نواكشوط أحد المنافذ الحيوية لمالي، وقد سُجلت بالفعل حوادث متكررة لاحتجاز شاحنات وقطع طرق".
ويتابع: "هناك كذلك مخاطر تتعلق بخلق فراغ أمني قد تستغله الجماعات المسلحة العنيفة والمتطرفة، وهو ما أكدته تقارير أممية بشأن تمدد نفوذ عدد منها في المنطقة، فضلا عن احتمال امتداد النزاع إلى دول مجاورة، بما قد يعيد إنتاج الانقسامات الإقليمية القديمة تحت عناوين جديدة وبدعم فاعلين جدد".
وفي ما يتعلق بالدور الروسي، يوضح أنه "لا توجد أدلة مباشرة على تورط عناصر روسية في التوتر الحدودي المحدد بين مالي وموريتانيا، غير أن وجود قوات روسية في مالي ضمن تشكيل يُعرف بـ'فيلق إفريقيا' ثابت، حيث تشارك في العمليات العسكرية وتقوم بدوريات على طول خط التماس مع موريتانيا، ما أثار قلقا بين المدنيين وساهم في موجات نزوح".
ويخلص الجويني إلى أن "ما يلفت الانتباه هو الغياب اللافت للاتحاد الإفريقي في إدارة هذه الأزمة، إذ لم يُسجل خلال الأشهر الماضية أي تحرك رسمي، لا على مستوى الوساطة المباشرة ولا عبر إصدار بيانات أو تعيين مبعوثين".
news_share_descriptionsubscription_contact
