Şule Özkan, Hişam Sabanlıoğlu
19 أغسطس 2026•تحديث: 19 أغسطس 2026
أنقرة / شعلة أوزكان / الأناضول
** الباحثة الأمريكية في جامعة جورج تاون، مباشرة تعظم، في مقابلة مع الأناضول:
- خطاب "القيم اليهودية-المسيحية" تحول في الغرب من التعبير عن إرث ديني وثقافي إلى أداة سياسية
- هذا المصطلح أصبح مؤخرا وسيلة لإضفاء طابع عرقي على المسلمين وإقصائهم من الهوية الوطنية
- سياسيون مثل خيرت فيلدرز، ونايجل فاراج، ونتنياهو يوظفون هذا المفهوم لرسم حدود بين "نحن" و"هم"
- هذا الخطاب يعيد إنتاج منطق الحروب الصليبية القائم على اعتبار من لا يعتنق "ديننا" تهديدًا للحضارة
- مفهوم "القيم اليهودية-المسيحية" يصوَر إسرائيل على أنها امتداد للحضارة الغربية و"خطها الدفاعي المتقدم"
- التشدد الذي تبديه بعض الدول الغربية تجاه الاحتجاجات الرافضة للإبادة الإسرائيلية بغزة يرتبط بهذا الخطاب
- هذا المفهوم لا يحمي اليهود أو الديانة اليهودية، وإنما يحمي سياسة دولة بعينها
قالت الباحثة الأمريكية مباشرة تعظم، إن خطاب "القيم اليهودية-المسيحية" تحول في الغرب من التعبير عن إرث ديني وثقافي مشترك إلى أداة سياسية لإقصاء المسلمين، وتصويرهم باعتبارهم "تهديدا" للمجتمع، وتبرير مواقف داعمة لإسرائيل.
جاء ذلك في مقابلة أجرتها الأناضول، مع الباحثة تعظم، نائبة مديرة مشروع "ذا بريدج إنيشيتيف" المعني بدراسة الإسلاموفوبيا في جامعة جورج تاون.
وأضافت تعظم أن الخطاب المتزايد بشأن ما يسمى بـ"القيم اليهودية-المسيحية" في الغرب تحول إلى أداة سياسية تحدد من ينتمي للمجتمع ومن يُستبعد منه، وتُستخدم لتهميش المسلمين ولتبرير الدعم غير المشروط لإسرائيل.
وتناولت الباحثة دور هذا الخطاب في تشكيل صورة المسلمين بوصفهم "آخر حضاريا" و"تهديدا داخليا"، وانعكاساته على النقاشات المتعلقة بالإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.
وأكدت أن اللغة المستخدمة في الخطابين السياسي والإعلامي تؤدي دورا حاسما في تشكيل التصورات العامة عن الإسلام والمسلمين، مشيرة إلى أن تصوير المسلمين على أنهم مصدر خطر وعنف يرسخ أحكاما مسبقة تؤثر في الرأي العام.
وقالت: "اللغة تبني فهمنا للإسلام والمسلمين، وعندما يجري تقديمهم باعتبارهم خطرا وعنيفين وتهديدا للمجتمع، فإن ذلك يؤدي إلى تكوين تصور منحاز ومشوه عن هذا الدين وأتباعه".
من خطاب ديني إلى إقصاء سياسي
وأوضحت أن مصطلح "القيم اليهودية-المسيحية" أصبح في السنوات الأخيرة وسيلة لإضفاء طابع عرقي على المسلمين وإقصائهم من الهوية الوطنية.
واعتبرت أن هذا الاستخدام يستند إلى أطروحات "صدام الحضارات" التي ارتبطت بأسماء مثل صمويل هنتنغتون وبرنارد لويس، قبل أن تنتقل إلى الخطاب السياسي المعاصر.
وأضافت الباحثة أن سياسيين مثل خيرت فيلدرز (هولندي)، ونايجل فاراج (بريطاني)، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوظفون هذا المفهوم ليس للتعبير عن تقارب ديني، وإنما لرسم حدود فاصلة بين "نحن" و"هم".
وذكرت أن المناخ السياسي الذي أعقب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 عزز هذا الاتجاه، بحيث لم يعد المسلم يُنظر إليه باعتباره أقلية أو مهاجرا فحسب، بل أصبح يُصوَّر أيضا كـ"آخر" ديني وعرقي وتهديد داخلي.
وترى الباحثة أن هذا الخطاب يعيد إنتاج منطق الحروب الصليبية القائم على اعتبار من لا يعتنق "ديننا" تهديدا للحضارة، مضيفة أن المسلمين يُقدَّمون اليوم بوصفهم خطرا وافدا من الخارج.
وأشارت إلى أن بعض الساسة يستخدمون تعبيرات مثل "الغزو الديموغرافي" و"الاستيلاء على البلاد"، ما يجعل القضية تتجاوز معاداة الهجرة إلى اعتبار المسلمين تهديدا لنمط الحياة، وهو ما يُستخدم لتبرير تقييد حقوقهم وتشديد إجراءات دخولهم، بل وحتى الدعوة إلى ترحيلهم.
محاباة إسرائيل
وقالت تعظم إن مفهوم "القيم اليهودية-المسيحية" بات يُستخدم في الخطاب السياسي الغربي لتعريف تحالف سياسي أكثر من كونه تعبيرا عن رابطة دينية، حيث تُصوَّر إسرائيل على أنها ليست مجرد دولة في الشرق الأوسط، وإنما امتداد للحضارة الغربية و"خطها الدفاعي الأمامي".
وأضافت أن هذا التصور يحوّل ما يجري في غزة من قضية سياسية وإنسانية إلى صراع وجودي، بحيث يصبح الدعم غير المشروط لإسرائيل دعما لـ"معسكرنا".
"في حين يُصوَّر منتقدو سياسات إسرائيل، سواء كانوا مسلمين أو يهودا، على أنهم مصدر تهديد داخلي، وليسوا أصحاب مواقف مشروعة"، بحسب الباحثة.
ورأت أن التشدد الذي تبديه بعض الدول الغربية تجاه الاحتجاجات الرافضة للإبادة الجماعية في غزة يرتبط بهذا الخطاب، إذ يعاد تفسير حرية التعبير على أنها دعم للتطرف أو الإرهاب، بينما يجري دمج الفلسطينيين جميعا، بمن فيهم المدنيون والأطفال، ضمن إطار أمني واحد.
وأضافت أن هذا المفهوم لا يحمي اليهود أو الديانة اليهودية، وإنما يحمي سياسة دولة بعينها، مستخدما الهوية اليهودية غطاء لذلك.
وأشارت إلى أن استبعاد اليهود المنتقدين لإسرائيل من مظلة "القيم اليهودية-المسيحية" يبرهن على أن المفهوم سياسي أكثر منه ديني، موضحة أن الانضمام إلى هذه "المظلة" بات مشروطا بتبني موقف جيوسياسي محدد من إسرائيل.
وأكدت أنه لو كان المفهوم ذا طبيعة لاهوتية فعلا، لكان من المفترض أن يشمل المسيحيين الفلسطينيين واللبنانيين، وهم من أقدم الجماعات المسيحية في العالم، مذكّرة بأن إسرائيل استهدفت كنائس في غزة ولبنان.
كما لفتت إلى أن بعض الباحثين اليهود يرون أن فكرة "التقليد اليهودي-المسيحي" ليست سوى أسطورة أيديولوجية ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية للتغطية على تاريخ طويل من الاضطهاد والمذابح التي تعرض لها اليهود في أوروبا.
وقالت إن الانقسام الحقيقي اليوم لا يقوم بين اليهود والمسيحيين من جهة، والمسلمين من جهة أخرى، بل بين القوى التي تُعد حليفة مقبولة للنفوذ الغربي والإسرائيلي، وكل من يُنظر إليه باعتباره تهديدا لهذا النفوذ.
التحولات الديموغرافية
وأوضحت تعظم أن المسلمين لم يعودوا يُقدَّمون في الخطاب الغربي باعتبارهم مواطنين أو جيرانا، بل أصبح يُنظر إلى الهجرة وارتفاع معدلات الولادة باعتبارهما "غزوا" أو "اجتياحا"، وهو خطاب انتقل من أطراف اليمين المتطرف إلى وسائل الإعلام والسياسة السائدة.
واستشهدت باللغة التي استُخدمت خلال أزمة اللاجئين السوريين بالعام 2015، حين وُصفت موجات اللجوء بأنها "غزو"، في حين لم تُستخدم اللغة نفسها مع اللاجئين الأوكرانيين الفارين من الحرب الروسية.
وأضافت أن تصريحات النائب البريطاني نيك تيموثي، التي وصف فيها الصلاة بأنها "عمل هيمنة"، تعكس انتقال هذا الخطاب إلى التيار السياسي الرئيسي.
وقالت إن المسلمين يُصوَّرون باعتبارهم كتلة واحدة تعمل بصورة منسقة للسيطرة على المجتمع، بينما تُقدَّم التحولات السكانية الطبيعية بوصفها هجوما، الأمر الذي يبرر، تحت شعار "الدفاع عن أنفسنا"، فرض قيود على الهجرة، وتشديد الرقابة على المجتمعات المسلمة، وسحب الجنسية، والطعن في انتمائهم الوطني.
وأشارت إلى أن دوائر اليمين المتطرف في أوروبا تناقش بصورة متزايدة مفهوم "إعادة الهجرة"، الذي يدعو إلى ترحيل المسلمين وغير البيض قسرا، معتبرة أن تبني سياسيين منتخبين لهذه الطروحات، التي كانت تُعد سابقا هامشية، أسهم في تحويل الأفكار العنصرية إلى خيارات سياسية مقبولة.
وأضافت أن هذا المسار يؤدي إلى إضفاء الشرعية على السياسات التمييزية، وعلى الدعم غير المشروط للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، كما يصعّب التعرف على جرائم الكراهية والعنف والتمييز ضد المسلمين.
وأكدت، في ختام حوارها، أن دراسات حديثة في أوروبا أظهرت تعرض نحو نصف المسلمين لأشكال من التمييز، فيما تستهدف الجرائم المرتكبة بدافع الكراهية الدينية في بريطانيا المسلمين في نحو نصف الحالات.
وشددت على أن الخطاب المعادي للمسلمين لم يعد حكرا على الجماعات المتطرفة، بل أصبح جزءا من الخطاب السياسي السائد.