جنيف/ محمد إقبال أرسلان/ الأناضول
- الاستجابة الإنسانية لا تزال بعيدة جداً عما ينبغي بسبب القيود الإسرائيلية على إدخال المساعدات
- نحو 95 بالمئة من السكان دُفعوا إلى مناطق ساحلية تتقلص تدريجيا بسبب مخاطر الهجمات
- أزمة إيواء خانقة تلوح مع اقتراب الشتاء، ونحتاج إلى تخفيف القيود على مواد الإيواء لمواجهتها
رغم وقف إطلاق النار المعلن، يتواصل سقوط قتلى وجرحى فلسطينيين في قطاع غزة جراء هجمات إسرائيل، فيما تبقى الاستجابة الإنسانية دون المطلوب، بسبب قيود تل أبيب على إدخال المساعدات وتقلص المساحات الآمنة وتفاقم أزمة الإيواء مع اقتراب الشتاء.
هذا الواقع أكده المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) ينس لاركيه في مقابلة مع الأناضول حول آخر التطورات في غزة ووضع المساعدات الإنسانية في القطاع.
ورغم سريان وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تواصل إسرائيل تنفيذ غارات وإطلاق نار في مناطق متفرقة من القطاع، كما تتعنت في تنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق في ما يتعلق بإدخال كميات متفق عليها من المساعدات الإنسانية بمختلف أشكالها.
وفي 29 سبتمبر/ أيلول 2025، أعلن ترامب خطة من 20 بندا بشأن غزة، تنص على وقف الحرب وتبادل المحتجزين الإسرائيليين والأسرى الفلسطينيين، وإدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي مرحلي مرتبط بنزع سلاح الفصائل وانتشار قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار.
"انخفاض العنف ليس وقفا للنار"
يقول لاركيه إن "وقف إطلاق النار أُعلن رسميًا ولا يزال قائمًا، لكنه ليس وقفًا بالمعنى المعتاد".
ويضيف: "نتلقى كل يوم تقارير عن مقتل أو إصابة أشخاص جراء الغارات الجوية والقصف وأسباب أخرى مماثلة".
وبحسب لاركيه، الوضع أشبه بـ "مستوى أقل من العنف في إطلاق النار مقارنةً بما كان عليه قبل عام، لكنه ليس وقفًا كاملًا لإطلاق النار".
ويتابع أن "الاتفاق المعلن في أكتوبر 2025 والذي لا يزال قائمًا، سمح بتحسن نسبي في إدخال المساعدات مقارنة بما سبقه".
ومنذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 2025، قتلت الخروقات الإسرائيلية للاتفاق 1313 فلسطينيا وأصابت 4361 آخرين، فيما انتشلت الطواقم مئات الجثامين من تحت الأنقاض.
وحتى السبت، وصلت حصيلة ضحايا حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في قطاع غزة منذ 8 أكتوبر 2023 إلى 73 ألفا و449 قتيلا و174 ألفا و472 مصابا، وفق وزارة الصحة بالقطاع.
"استجابة إنسانية دون المطلوب"
بحسب لاركيه، صحيح أن "المنظمات الإنسانية باتت قادرة على إدخال مساعدات أكثر مما كان عليه الحال قبل الاتفاق، مع تسجيل انحسار في سوء التغذية، لكن ذلك لم يُنهِ الأزمة".
ورغم أن هناك "ما بين 700 ألف ومليون وجبة ساخنة تُوفر يوميًا، وهي ضرورية لبقاء السكان"، لكنه يؤكد أن "الاستجابة الإنسانية لا تزال بعيدة جدًا عما ينبغي أن تكون عليه".
ويرجع السبب الرئيسي في استمرار الأزمة إلى "اقتصار إدخال المساعدات حاليًا على معبر كرم أبو سالم فقط، ما يخلق اختناقًا في التدفق، إلى جانب قيود أخرى تحول دون تأمين كميات كافية".
وتشير تقارير أممية إلى أن ما لا يقل عن 1.4 إلى 1.6 مليون فلسطيني في قطاع غزة يواجهون مستويات حادة وخطيرة للغاية من انعدام الأمن الغذائي والتهديد بالمجاعة.
كما يواجه قطاع غزة كارثة مائية غير مسبوقة وأزمة عطش جماعي حادة تضرب كافة محافظات القطاع، حيث تعمدت إسرائيل تدمير البنية التحتية للمياه، مما تسبب في تراجع حصة الفرد والوصول الآمن للمياه الصالحة للشرب بنسبة تراوحت بين 96.5 و97 بالمئة مقارنة بما قبل الحرب، وفق إحصاءات محلية وأممية.
"أزمة إيواء خانقة قبيل الشتاء"
لا تتوقف المآسي في غزة عند شح المساعدات الغذائية، بل تمتد إلى "قضية الإيواء التي تشكل مصدر قلق بالغ" في القطاع المدمر، وفق لاركيه.
ويبيّن أن "نحو 95 بالمئة من السكان دُفعوا إلى المناطق الساحلية داخل مساحة تتقلص تدريجيًا" مع توسيع إسرائيل للمناطق التي تحتلها.
ويضيف أن جميع فلسطينيي غزة تقريبًا بحاجة إلى دعم في الإيواء، لكن المنظمات غير قادرة على توفير بيئة مناسبة لمواجهة الشتاء.
ويقول: "سيأتي الشتاء في وقت أبكر مما نتوقع، وسيكون صعبًا أيضًا على سكان غزة، ونحن نبذل قصارى جهدنا هذه المرة لمنع حرمانهم من الحصول على مكان لنوم آمن في ذروة البرد".
ويتابع: "نحتاج أن تخفف السلطات الإسرائيلية هذه القيود، حتى نتمكن من إدخال المزيد من مواد الإيواء، خيام العام الماضي كانت بالية وقديمة ولم تُستبدل".
وخلفت الحرب دمارا واسعا في المنازل والمدارس والمنشآت والبنية التحتية، فيما لا تزال أعداد كبيرة من العائلات تعيش في خيام ومراكز إيواء وسط ظروف إنسانية قاسية.
"تكدس سكاني يفاقم المخاطر الصحية"
قطاع غزة، الذي كان من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم حتى قبل الحرب، "يواجه منذ سنوات ضغطًا أكبر بسبب القيود الإسرائيلية"، يؤكد لاركيه.
ويوضح أن "بعض المناطق تعتبر غير آمنة للوصول، مما يدفع الناس إلى مساحة تتقلص باستمرار على الساحل"، ما يتسبب في تداعيات سلبية على الفلسطينيين في القطاع.
ويتابع: "هذا يعني أن نحو مليوني شخص في غزة، جميعهم تقريبًا، مضطرون إلى التوجه إلى هناك بحثًا عن قدر من الأمان".
ويضيف: "حشر عدد كبير من الناس في مساحة صغيرة جدًا يؤدي إلى تفاقم العديد من المشكلات، مثل تعذر جمع النفايات، ونحن قلقون من سرعة انتشار الأمراض".
وأكد أن "الحاجة قائمة إلى تمويل إضافي، والأمم المتحدة تجري اتصالات يومية مع السلطات الإسرائيلية لمعالجة هذه القيود".
وبحسب "أوتشا"، لم يكن يعمل حتى منتصف يوليو/ تموز 2026 سوى 44 بالمئة من نقاط تقديم الخدمات الصحية التي كانت قائمة قبل أكتوبر 2023.
وتعرض القطاع الصحي في غزة لانهيار واسع خلال حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، جراء تدمير مرافق طبية وخروج أخرى عن الخدمة، إلى جانب استنزاف الطواقم والمعدات.
وأكدت منظمة الصحة العالمية أن أيا من مستشفيات القطاع لا يعمل بكامل طاقته، وأن أكثر من نصف الأدوية الأساسية نفدت من المخزونات.
وتحوّل معظم الفلسطينيين في قطاع غزة إلى نازحين ويعيشون في ظروف قاسية، جراء تبعات حرب الإبادة الإسرائيلية، وفق تقرير صادر عن "أوتشا" في 14 أغسطس/ آب الجاري.
ويعيش كثير من النازحين في خيام وملاجئ مؤقتة أو مبان متضررة، بعد تدمير إسرائيل منازلهم أو تعذر العودة إليها، وسط نقص المياه وخدمات الصرف الصحي وتراكم النفايات قرب أماكن إقامتهم.
وتفاقم ظروف المعيشة في مواقع النزوح نقص مواد الإيواء والمياه وخدمات الصرف الصحي وتراكم النفايات؛ إذ أفاد تقرير "أوتشا" بأن مياه صرف أو حمأة توجد على بعد أقل من 10 أمتار من أماكن إقامة 43 بالمئة من الأسر التي شملها التقييم، بينما أفاد 26 بالمئة من الأسر بوجود أكوام نفايات صلبة قريبة.