Ramzi Mahmud
17 أغسطس 2026•تحديث: 18 أغسطس 2026
غزة/ رمزي محمود/ الأناضول
في قاعة بسيطة شُيدت على هيئة خيمة تراثية فلسطينية بمدينة غزة، جلست 10 فنانات شابات أمام لوحات بيضاء، يحملن الريش والألوان، ويحاولن استعادة تفاصيل غابت عن حياتهن تحت وطأة حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية.
لم تكن الألوان بالنسبة إلى المشاركات في ورشة "كان هناك" مجرد أدوات للرسم، بل وسيلة للحديث عن أشياء فقدنها، وأماكن غادرنها قسرا، وذكريات يخشين أن تطويها سنوات الحرب والنزوح.
وبينما انشغلت كل فنانة برسم ما اختارته من تفاصيل حياتها، بدت القاعة مساحة للبوح الصامت؛ فهنا بيت تهدم، وهناك شارع تغيرت ملامحه، وفي لوحة أخرى يظهر شعور بالأمان لم يعد كما كان.
وجمعت الورشة فنانات يحاولن تحويل تجاربهن القاسية إلى أعمال تحفظ الذاكرة، وتمنحهن في الوقت ذاته مساحة للتعافي والتعبير عن مشاعر عجزن عن قولها بالكلمات.
مساحة مفقودة
قالت الفنانة التشكيلية والناشطة المجتمعية فرح عجور إن مشروع "ديرة"، الذي تندرج الورشة ضمن فعالياته، يستند إلى فكرة "الملجأ أو البيت"، في إشارة إلى ما فقده الفلسطينيون خلال الحرب من منازل ومساحات وشعور بالأمان.
ويهتم مشروع "ديرة" بتوفير مساحة فنية للشابات، وفق عجور، التي قالت للأناضول: "كلنا كفنانين أو فنانات فقدنا جزءا من حياتنا، حالنا كحال سائر أهلنا في غزة، سواء كان مرسما أو بيتا أو حتى شعورا.. شعور الأمان".
وأوضحت أن تنظيم الورشة يهدف إلى توفير مساحة افتقدتها الفنانات خلال الحرب، مشيرة إلى أن المشاركات يرسمن ما فقدنه، "سواء أشخاصا أو شيئا ماديا أو حتى شعورا".
وأضافت: "هي ليست فقط لتخليد وإحياء الذكرى التي رحلت وتثبيت وجودها، وإنما هي ورشة تعاف للفنانات اليوم".
الفن والتعافي
وترى عجور أن الفن يمثل وسيلة للتعبير عن المشاعر ونقلها إلى العالم الخارجي، خصوصا بالنسبة إلى الفنانات اللواتي عشن الحرب وما رافقها من فقد ونزوح ودمار.
وقالت إن "الفن كان الوسيلة التي رأت فيها الفنانات إمكانية لإيصال أصواتهن ومشاعرهن إلى الخارج".
وأضافت: "اليوم نحن نوصل رسائلنا إلى الخارج، نوصل ما نشعر به، وماذا فقدنا، وماذا نريد أن نخلد ونحيي".
وأكدت أن الفن، إلى جانب كونه لغة، يمثل وسيلة للتعافي، مضيفة: "اليوم يرسمن ماذا فقدن، حتى نخلد ذكرى ونحيي ذكرى (...) فاسم الورشة "كان هناك"، أي أن الشيء كان موجودا.. وما زال موجودا".
وختمت عجور بالقول: "غزة موجودة، والأمل ما زال موجودا، وإننا لا ننسى، موجودون دائما، وإبداعنا موجود".
بيت في الذاكرة
وبين المشاركات، جلست الفنانة الشابة مرح خالد الزعانين (18 عاما) أمام لوحتها، تستعيد عبر الألوان صورة البيت الذي فقدته، بعدما اضطرت منذ بداية الحرب إلى العيش في خيمة نزوح.
وقالت الزعانين للأناضول، وهي نازحة من مدينة بيت حانون شمالي قطاع غزة: "أنا فنانة منذ الطفولة، لكن خلال الحرب استخدمت الفن كأسلوب من أساليب المقاومة حتى أتمكن من الاستمرار".
وخلال سنوات الحرب، لم تتوقف الزعانين عن الرسم، بل أنجزت أكثر من 700 عمل فني، وحولت خيمتها إلى معرض صغير، في محاولة لجعل الفن وسيلة لتفريغ ما تراكم داخلها من خوف وحزن وألم.
وقالت: "أستخدم الفن خلال الحرب كأسلوب من أساليب المقاومة، ونوع من تفريغ الطاقة السلبية التي تكونت بداخلي من حزن وخوف وجوع. كل شيء عايشته فرغته في اللوحات التي كنت أرسمها".
ولم تكن أدوات الرسم متاحة دائما، فاضطرت الزعانين وفنانات أخريات إلى استخدام ما توفر لهن من مواد بسيطة.
وقالت: "استخدمنا أقلام الحبر في الرسم، واستخدمنا رماد النار، ورسمنا على ورق الكرتون".
أما في الورشة، فوجدت الزعانين مساحة مختلفة، إذ لم تعد ترسم فقط لتفريغ الألم، وإنما لاستعادة ما افتقدته خلال الحرب.
وأضافت: "جئنا هنا حتى نرسم أشياء افتقدناها، نبحث عن مساحة آمنة نرسم فيها".
واختارت الزعانين أن ترسم البيت، لأنه أكثر الأشياء التصاقا بذاكرتها، قائلة: "اليوم رسمت عن البيت لأني أنا فاقدة البيت، فمنذ بداية الحرب ونحن نعيش في الخيام".
وتصف وجودها في الورشة بأنه مصدر للسعادة، ليس فقط بسبب توفر مكان آمن للرسم، وإنما أيضا لأنها التقت بفنانات أخريات ووجدت أمامها ألوانا وأدوات تستطيع من خلالها إعادة تلوين أشياء غابت عن حياتها خلال الحرب.
وقالت: "أشعر بالسعادة لأني وجدت مساحة آمنة أرسم فيها، إضافة إلى التعرف على زميلاتي الرسامات، واستخدام الألوان لتلوين الأشياء التي كان يتعذر علينا توفيرها خلال الحرب".
وأضافت: "وقد توفرت لنا هذه الأدوات اليوم، لذلك ردت أرواحنا إلينا كفنانين".
وتصر الفنانات على أن ما رسمنه سيبقى شاهدا على ما كان، وعلى ما لا يزال حاضرا في ذاكرتهن.
وبدعم أمريكي، ترتكب إسرائيل منذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إبادة جماعية في غزة، أسفرت عن مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 174 ألفا، معظمهم أطفال ونساء، إضافة إلى دمار واسع طال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية.