طرابلس/ الأناضول/ بولا أسطيح - لا تشبه منطقة نهر أبو علي في مدينة طرابلس شمال لبنان اليوم ما اعتاده أهلها وزائروها قبل 9 أيام، فبعد أن كانت تعجّ بباعة الخضار واللحوم والملابس المستعملة وبكل ألوان الحياة بالرغم من الفقر المستشري بين سكانها، صار يغلفها الهدوء الحذر، الذي تقطعه بين الحين والآخر أصوات الرصاص والدراجات البخارية.
ينتشر في أرجائها المسلحون من أبناء منطقة "باب التبانة" التابعة لكبرى مدن الشمال اللبناني؛ طرابلس، فيما ترابط على تخومها غير قادرة على الدخول قوات من الجيش، متمركزة عند إحدى الزوايا التي تفصل منطقة باب التبانة (حيث الأكثرية السنية المعارضة لرئيس النظام السوري بشار الأسد) عن منطقة جبل محسن (حيث الأكثرية العلوية المؤيدة للأسد)، واللتان اشتعلت المواجهات بينهما قبل نحو 9 أيام، واستخدمت فيها الأسلحة الخفيفة والثقيلة والمتوسطة، مخلفة 30 قتيلا ونحو مائتي جريح، وفق مصادر أمنية لبنانية.
وعلى الجبهة المقابلة حيث جبل محسن تقطع عمليات القنص المتبادلة الطريق أمام من يرغبون في الدخول، أما الطريق إلى محاور القتال في باب التبانة فممكنة للراغب بالمغامرة، شريطة أن يكون تحت حماية المقاتلين وبرفقة أحدهم.
زياد علوكي، قائد محور حارة البرانية في باب التبانة يجزم بأن "القتال لم ولن ينتهي إلا بالقضاء على الحزب العربي الديمقراطي المتمركز في جبل محسن وقائده رفعت عيد"، مضيفا في حديث مع مراسلة الأناضول "فهذا الحزب لا يعيش إلا على دماء أهل السنة وينفذ أوامر عمليات تأتيه مباشرة من بشار".
ولم يتسن الحصول على ردود من الحزب تعليقا على اتهامات علوكي.
ويبدو علوكي الذي يقود المعارك على محور "البرانية" منذ بداية الأحداث، مرهقا إلى حد ما وهو يعرض سلاح "بي كي سي"، وحزمة من الرصاص قائلا: "بعنا سياراتنا ومحلاتنا وبيوتنا لنشتري السلاح".
وأضاف: "تركنا زعماؤنا في منتصف الطريق وعلى رأسهم (تيار المستقبل) ولكننا مستمرون بهم ومن دونهم".
و"تيار المستقبل" كيان سياسي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق، سعد الحريري، وهو من المعارضين للنظام السوري.
الصغار أيضا لم يكونوا بعيدا عن الأحداث التي حذر زعماء لبنانينون من أن "تجر البلاد إلى فتنة لا تحمد عقباها".. فها هو ذا "رفعت ميس" ابن السنوات الـ6 يرفع رشاشه باحتراف متوعدا بـ"قتل الأمين العام للحزب العربي الديمقراطي" وهو يقول لمراسلة الأناضول في تحد طفولي "هو هدّم منازلنا لذلك سنقضي عليه".
حول رفعت الصغير تدور شقيقتاه (5 و 4 سنوات) بين المسلحين غير آبهات بالسلاح المنتشر على جبهة المواجهة، حيث وقفت والدتهم أيضا ممسكة بسلاح الـ (بي كي سي)، وهو ما يشير إليه العلوكي مؤكدا أن "نساء وأطفال منطقة التبانة ايضا حاضرون للقتال دفاعا عن شرفهم ومنطقتهم".
كل مظاهر الحرب حاضرة في التبانة، الدشم وأكياس الرمل والخنادق كما أن الأجهزة اللاسلكية هي أيضا عاملة وبقوة على الارض فلا معطيات تشير إلى امكانية عودة الحياة الى طبيعتها على محاور القتال قريبا.
وفي شارع سوريا الفاصل بين أهالي المنطقتين المتصارعتين تواجد خجول للجيش اللبناني الذي نصب حاجزا ينبّه المارة من عمليات قنص مستمرة.
ويرفض أهالي باب التبانة دخول الجيش إلى منطقتهم متهما إياه بـ"الانحياز" إلى جبهة جبل محسن، حيث يقول عمر منصور العائد حديثا من القتال في سوريا لمراسلة الأناضول "وصلني وأنا في سوريا أخبار أنّه يتم استهداف منزلي لأنني أقاتل على الجبهة في طرابلس، فعدت لمدينتي لأرى أن منزلي أصابته 40 طلقة وقذيفة B10 وهو منزل لم تكن تعيش فيه إلا زوجتي وأولادي"، محذرا "على الجيش أن يعيد حساباته ويقف في منطقة وسط بيننا وبين أهالي الجبل".
وفي جبل محسن وصف بعض سكانه الوضع في اتصالات هاتفية مع مراسلة الأناضول قائلين إن الجيش اللبناني انتشر في عدد من الشوارع فيما بقيت شوارع أخرى وخاصة تلك المواجهة لباب التبانة تحت سيطرة المسلحين الذين أقاموا متاريسهم بانتظار جولات جديدة من القتال، فيما بقي عدد من العناصر يتناوبون على أحد المواقع لاستلام عملية القنص.
ويتحدث علي تامر، أحد سكان جبل محسن، عما وصفه بـ"حصار" تعيشه منطقة الجبل، متهما في حديث هاتفي مع مراسلة الأناضول أبناء باب التبانة بأنهم "يسعون لتهجيرنا من منطقتنا من خلال ممارساتهم الوحشية لكننا متمسكون بأرضنا ولن نرحل وسنتقاتل حتى آخر رمق".
ويشير تامر إلى أن "المحال التجارية في الجبل مفتوحة حاليا بالرغم من أن الوضع العام غير طبيعي، لأن الكل ينتظر جولات جديدة وعنيفة من الاشتباكات"، مردفا "كل أبناء الجبل جاهزون للقتال باعتبار أن ما نقوم به ليس عمليات هجوم بل دفاع عن النفس، وما يؤكد ذلك أننا سمحنا للجيش بدخول منطقتنا بعكس ما يحصل في باب التبانة وبالتالي حل هذه الأزمة بيد من يعتدي وليس من يُدافع عن نفسه".
وبين قسمات المشهد المنقسم بين الجبهتين يؤكد القيادي في "تيار المستقبل"، المعارض للنظام السوري، مصطفى علوش، في تصريح خاص لمراسلة الأناضول: "ليس الجيش الحل ولا غيره...منطقتنا (طرابلس) مضطربة بسبب ما زرعه فيها النظام السوري، وهي لن تهدأ إلا بسقوط هذا النظام أو بنزع كل السلاح من كل أهالي طرابلس، وهذين الأمرين غير ممكنان حاليا".
ويشير علوش إلى "هدنة هشة" تشهدها المدينة، مضيفا "يبدو أن الذخيرة نفذت ويتم دعمها حاليا لتعود حلقات المعارك قريبا".